بنت عندها 8 سنين
مريم حطت الببرونة على الرخامة.
وبصت لنور في عينيها.
“نور… عايزاكي تسمعيني كويس.”
نور سكتت.
مريم قالت:
“إنك تكوني أخت كويسة… مش معناه إنك تبقي أمهم.”
نور بلعت ريقها.
ودقنها بدأت ترتعش.
“بس ماما قالتلي أعتني بيهم.”
مريم قربت منها.
“وإنتِ فعلًا اعتنيتي بيهم.”
حطت إيدها على شعرها.
“حميتيهم بكل اللي عندك… وشلتي مسؤولية أكبر بكتير من اللي كان من حق أي حد يطلبه منك.”
وبعدين أشارت ناحية أوضة نور.
“لكن من النهارده، مسؤولياتك الحقيقية هي إنك تنامي كويس.”
ابتسمت.
“وتروحي المدرسة.”
وسكتت لحظة.
“وتشتكيلي من الواجب.”
نور ابتسمت وسط دموعها.
مريم كملت:
“وكمان تتخانقي معايا لما أقولك رتبي أوضتك.”
نور ضحكت ضحكة صغيرة.
ضحكة كانت غايبة عنها بقالها وقت طويل.
وفي اللحظة دي…
لأول مرة من شهور…
نور مكنش مطلوب منها تنقذ حد.
ولا تحسب اللبن.
ولا تخاف إن إخواتها يتفرقوا.
ولا تستنى رجوع خالتها.
لأنها أخيرًا فهمت إن فيه حد أكبر منها شايل المسؤولية.
وكان مسموح لها أخيرًا… إنها تبقى بنت عندها تمن سنين.
الجزء الأخير
ابتسامة صغيرة ظهرت على وش نور.
“أوضتي مش مبهدلة للدرجة دي.”
مريم ضحكت وقالت:
“بكرة هنفتش عليها ونشوف.”
كان أول خلاف عادي يحصل بين نور وجدتها من أسابيع.
وخلال الأسابيع اللي فاتت، مريم كانت شايفة إن الاعتراض الصغير ده علامة كويسة.
علامة إن نور بدأت ترجع لنفسها…
وبدأت تتعلم من جديد إنها طفلة، مش مسؤولة عن الدنيا كلها.
الرجوع للمدرسة
الرجوع للمدرسة كان أصعب مما توقعوا.
نور كانت بتبص على تليفون المكتب كذا مرة كل يوم، وخايفة يحصل حاجة لآدم ويونس وهي بعيدة عنهم.
وكانت بتخبّي بسكويت في شنطتها المدرسية، وتحتفظ بعملة الدولارين في جيب صغير مقفول بسوستة.
وفي جلسات الدعم النفسي، بدأت تفهم إن الإحساس بالأمان ممكن يكون غريب على الإنسان بعد فترة طويلة من الخوف.
وإن إنها ترتاح…
مش معناه إنها أهملت حد.
عمر كان بيزورهم من وقت للتاني، لكنه عمره ما وصف نفسه إنه “الراجل اللي أنقذ العيلة”.
مرة كان ييجي ومعاه كراتين تفاح من مزرعة قريبة.
ومرة يجيب كتب.
ومرة يجيب شوية أدوات علشان يساعد مريم في تصليح الرفوف والحاجات القديمة في الشقة.
وكان دايمًا يتصل الأول قبل ما ييجي.
وفي يوم من أيام الربيع، ظهر عمر قدام البيت وهو شايل عجلة قديمة لونها موف فاتح، وكان الرفرف بتاعها متني والسلسلة واقعة.