بنت عندها 8 سنين
سعاد بصت للطفلين، وبعدين سألتها:
“آخر مرة أكلوا إمتى؟”
نور ما ردتش.
عدت ثواني طويلة، لدرجة إن معدة عمر اتقبضت.
وبصوت خافت قالت:
“امبارح الصبح.”
سعاد اتصدمت.
نور كملت بسرعة، وكأنها بتحاول تبرر موقفها:
“بعدها اديتهم مية دافية… المية بتخلي بطنهم مليانة شوية.”
في اللحظة دي، واحد من الطفلين بدأ يزن.
نور شالته وعدلت وضعه بشكل تلقائي، وسندت رقبته بحركة واثقة جدًا… حركة حد كررها مئات المرات.
عمر حط إزازة المية اللي كان جاي يشتريها على الكاونتر.
وقال:
“احسبي اللبن.”
نور رفعت عينيها له فورًا، وكان في نظرتها حذر واضح.
“أنا ماطلبتش منك.”
“عارف.”
“أنا ممكن أدفع يوم الجمعة.”
عمر بص لها وقال بهدوء:
“نبقى نتكلم عن يوم الجمعة بعد ما إخواتك ياكلوا.”
كان عمر عنده سبعة وأربعين سنة، وصاحب شركة مقاولات كبيرة، بنى وجدد مدارس وعيادات ومراكز اجتماعية في أماكن كتير.
شارك في جمعيات خيرية، ومول حملات لمساعدة الأسر المحتاجة، ووقف قبل كده على منصات كبيرة يتكلم عن مساعدة الناس اللي محتاجة.
لكن كل الكلام ده اختفى من دماغه في اللحظة دي.
اللي كان شايفه قدامه ببساطة…
طفلين جعانين على بُعد خطوات منه، وبنت عندها تمن سنين مقتنعة إنها لازم تتفاوض عشان تقدر تجيب لهم أكل.
دفع تمن اللبن، وبعدها طلب من سعاد تضيف حفاضات، ومناديل، وببرونات نضيفة، وبطاطين، وحبوب أطفال، وفاكهة، وعيش، وبيض، وشوفان، وشوربة معلبة، ومكرونة، وصابون، ومسحوق غسيل.
ولما الكاشير خلص الحساب، كانت تلات عربيات مليانة حاجات.
نور وشها شحب أكتر.
“يا فندم… أنا كنت محتاجة علبة واحدة بس.”
عمر رد ببساطة:
“عيلتك محتاجة الباقي.”
“بس أنا مش هقدر أدفع تمن كل ده.”
“خلاص… الحساب اتدفع.”
نور عدلت الطفل على صدرها، وبعدها مدت إيدها في جيب فستانها.
طلعت عملة قديمة متبهدلة من فئة دولارين.
حطتها قدام عمر.
“ده كل اللي معايا… خدهم.”
عمر مسك إيدها الصغيرة، وقفل صوابعها على العملة.
“خليهم معاكي.”
نور هزت راسها.
“مش عايزة أبقى مديونة ليك.”
الجملة وقفت عمر مكانه.
دي ماكنتش عناد طفلة.
كان فيها كبرياء غريب… كبرياء شخص اتسلبت منه اختياراته واحدة ورا التانية، ومش عايز يخسر آخر حاجة فاضلاله.
فكر عمر شوية قبل ما يرد.
“طيب… اعتبريني ليكي دين.”
نور بصت له.