بعد مقاطعة امي
ابتسمت بهدوء وقلت:
— ممتاز يا عمرو.. شغل المعمار يبدأ من الأسبوع الجاي.
وأنا بتكلم معاه، لمحت حركة على باب المطعم الزجاجي.
شهد كانت واقفة بره على الرصيف. مكنتش شهد بتاعة زمان.. الهدوم الغالية والمظاهر الكدابة اختفت، كانت لابسة طقم بسيط أوي، وشكلها مجهد ومتوتر. طالعة ونازلة بعينيها على يافطة المطعم الفخمة وعلى الزبائن اللي داخلين وخارجين.
محاولتش تدخل، كانت عارفة إن الأمن مش هيسمح لها، ولما عينها جت في عيني من ورا الإزاز، وقفت مكانها وثبتت.
مربكتش نفسي، ولا عيني اترعشت. شاوَرت للأمن بهدوء إنهم يسيبوها، وخرجت لها بنفسي لغايه باب المطعم.
أول ما قربت منها، شهد أخدت نفس مكسور وقالت بصوت واطي ومحرج:
— مريم.. أنا مش جاية أعمل مشاكل، ولا جاية أطلب فلوس..
سكتت ثواني، وبعدين كملت وهي باصة في الأرض:
— أنا نازلة أشتغل من شهر في محل ملابس في وسط البلد.. ببدأ من تحت زي ما قلتيلنا زمان. وأمي.. أمي تعبت شوية، بس الشقة بقت مستورة والحمد لله.
أنا بس جاية أقولك.. إننا عرفنا قيمتك، وعرفنا إن القسوة اللي شفناها كانت الرد الطبيعي على اللعنة اللي كنا عايشين فيها.
بصيت لها بتمعن. مكنتش جاية ببجاحة المرة اللي فاتت، كانت جاية بإنكسار وبداية استيعاب للحقيقة.
قلت لها بصوت ثابت وراسي:
— كويس يا شهد.. إنك أدركتي ده متأخر أفضل من إنك متدركيش خالص. الشغل الشريف هو الوحيد اللي بيبني بني آدم، والمظاهر الكدابة أخرتها الشارع.
شهد دموعها نزلت وقالت:
— أمي نفسك تشوفك يا مريم.. حلمها بس تسامحيها قبل ما العمر يجري.
رديت بنبرة هادية بس محسومة:
— أنا مش شايلة كره في قلبي يا شهد.. الكره بياخد من طاقة البني آدم، وأنا طاقتي كلها لشغلي ولمستقبلي. المسامحة دي بينها وبين ربنا، أما الرجوع لورا.. فده باب وأنا قفلته بالمفتاح ورميته في البحر من يوم ما خرجت من الفيلا.
سحبت كارت من جيبي، حطيته في إيدها وقلت:
— لو احتجتوا أي مصاريف علاج لأمي، المحامي عمرو هو اللي هيرتب ده بدون ما تدخلي في تفاصيل. غير كده.. كل واحد يكمل في طريقه.
شهد مسكت الكارت، هزت رأسها بالقبول والدموع في عينيها، ولفت ومشت وهي بتجر خطواتها بتعب على الرصيف.
بصيت لضهرها وهي تبعد، وبعدين لفت ودخلت مطعمي تاني.
أصوات الملاعق، ضحكات الناس، ريحة الأكل الدافي، ونور الشمس اللي مالية الصالة.. كل حاجة كانت بتقول إن الحكاية خلصت صح. الظلم له نهاية، والشقا له قيمة، واللي يبني نفسه بنفسه.. يعيش طول عمره راسه مرفوعة للسما.
تمت