بعد 8 سنين أمي مقاطعاني فيهم، دخلت مطعمي فجأة ومعاها أختي، وأول طلب طلبته مني كان بمنتهى البجاحة: — أختك عاطلة… سيبي لها المطعم تديره.ولما عرضت على أختي تشتغل زي أي حد وتبدأ من تحت، أمي خ. طفت كوباية مية بتلج ورمتها في وشي قدام المطعم كله. بصيت لها بهدوء وقلت: — خلاص… من النهاردة اتعودوا بقى على عيشة الشوارع.ضحكت في وشي وقالت: — شوارع إيه؟ أنا عايشة في فيلا بـ 150 مليون جنيه في التجمع!اللي أمي مكنتش تعرفه إن الفيلا اللي بتتباهى بيها… أصلًا بتاعتي.مطعمي "أورا" في الشيخ زايد كان في عز زحمته بالليل. المكان مليان، والناس قاعدة بتتعشى، وأنا واقفة ببالطو الشيف بتاعي براجع الشغل، لحد ما لمحت اتنين داخلين من الباب بمنظرة كأن المكان ملكهم.أمي "سهير" وأختي "شهد".وقفت مكاني للحظة. مش عشان فرحت إني شوفتهم… لكن عشان آخر مرة كنت واقفة قدام أمي من 8 سنين، كانت وهي بترميني بره البيت ومعايا شنطتين هدوم بس، بعد ما رفضت أفضل أصرف على منظرة شهد ومصاريفها ومصايفها في الساحل. أمي لفت بعينيها في المطعم من أوله لآخره، وبعدها بصتلي وقالت بصوت عالي: — والله وبقيتي نافعة يا مريم، وعملتي حاجة ليكي قيمة.لا ح. ضن، ولا حتى "إزيك؟"، ولا كلمة عن السنين اللي عدت.أما شهد، فبصت للمكان كأنها بتقيّمه، وبعدها قالت بمنتهى الثقة: — بقولك إيه يا مريم، متبقيش دراما… إحنا جايين في شغل. إنتي هتعينيني مديرة المطعم ده، بمرتب خيالي ونسبة من الأرباح… وده أقل حاجة تعمليها لأهلك.فضلت باصة لها ثواني من غير ما أرد. هي فعلًا جاية بعد 8 سنين عشان تستلم مطعمي؟ لفيت ومشيت ناحية المطبخ. أمي وشهد افتكروا إني رايحة أجيب ورق أو أنادي حد عشان نبدأ نتكلم في "شغلها الجديد".لكن رجعت وأنا ماسكة مريلة شغل مبلولة ولسه فيها ريحة المنظفات والكلور. رميتها قدام شهد، فوق جزمتها الغالية، وقلت بهدوء: — ناقصني عاملة تنظيف في التراس بره النهاردة. ابدأي دلوقتي… يا إما تتفضلي بره مطعمي.وش شهد اتقلب: — إنتي اتجننتي؟!أمي كانت لحد اللحظة دي بتحاول تحافظ على هدوئها، لكن فجأة انف. جرت: — دي ست البنات! إزاي تتجرئي وتخليها تخدم الناس؟!وفي نفس اللحظة كان ويتر معدي جنبنا بصينية عليها كوبايات. أمي خ. طفت كوباية مية بتلج، وقبل ما حد يلحق يستوعب اللي بيحصل، طرطشتها كلها في وشي.المية الساقعة نزلت من شعري ورموشي وغرقت بالطو الشيف الأبيض.المطعم كله سكت.حتى شهد نفسها وقفت مستنية تشوف هعمل إيه. لكن أنا لا صرخت، ولا عيطت، ولا حتى رفعت إيدي أمسح المية من على وشي. قربت خطوة من أمي وقلت لها بصوت واطي: — خلاص… ابدأوا اتعودوا على عيشة الشوارع من النهاردة.بصتلي باستغراب، وبعدها ضحكت بسخرية: — شوارع إيه يا مريم؟ أنا عايشة في فيلا بـ 150 مليون جنيه في التجمع! شهد ضحكت معاها، والاتنين خرجوا من المطعم وهما مقتنعين إن اللي قلته مجرد تهديد فاضي من البنت اللي رموها من حياتهم من 8 سنين.استنيت لحد ما الباب اتقفل وراهم، اعتذرت للزبائن، وبعدها دخلت مكتبي وقفلت الباب بالمفتاح.قعدت على الكرسي، وطلعت موبايلي. قعدت على الكرسي، وطلعت موبايلي.مكنتش متعصبة… بالعكس، كنت مستنية اللحظة دي من زمان.فتحت الأسماء، ووصلت لرقم خاص كنت محتفظة بيه لسبب واحد بس.بصيت للاسم ثواني، وبعدها ضغطت اتصال.أول ما الطرف التاني رد، قلت جملة واحدة: — نفّذ الإجراء الخاص بفيلا التجمع… من النهاردة.لأن الحاجة الوحيدة اللي أمي وشهد ماكانوش يعرفوها، إن الفيلا اللي بـ 150 مليون جنيه واللي خارجين دلوقتي راجعين لها بكل ثقة… كانت باسمي أنا.الهدوء اللي كان جوة المكتب يوتر. مسحت المية اللي كانت لسه بتنزل من شعري بكل برود، ورميت الفوطة على المكتب وأنا باصة للموبايل في إيدي. الصوت جه من الناحية التانية سريع وحاسم: — تمام يا مريم هانم، كل الأوراق جاهزة والتوكيلات الرسمية متسجلة، وخلال ساعة بالكتير الإخلاء الإداري والقوة تنفيذ الأحكام هيتحركوا على فيلا التجمع. قفلت السكة من غير ما أرد، وحطيت الموبايل على المكتب. التليفون مكملش ثواني و. ض. رب تاني، بس المرة دي كان اسم "عمرو" المحامي.— مريم، إنتي متأكدة إنك عاولة تنفذي القرار دلوقتي وفي الوقت ده؟ أمك وأختك ملهمش مكان تاني يروحوه، وأنا شايف إن اللحظة دي قاسية أوي. قمت وقفت، وبصيت لنفسي في المراية اللي ورا المكتب، وشفت انعكاس بالطو الشيف المبلول اللي اترمى عليا قدام الزبائن والعمال.— القسوة دي اتبنت على مدار 8 سنين يا عمرو. لما اترعيت في الشارع في عز البرد بشنطة هدومي ومحدش قاللي إنتي رايحة فين، مفيش حد منهم افتكر القسوة. هما عاشوا في عز وورث وأنا اللي بنيت الشركة اللي شارية الفيلا دي من شقايا. الفيلا دي مكنتش ملك أبويا عشان يورثوها، دي ملك شركتي، والنهارده بس العقد المنتهي إيجاره هيتقفل. نفذ يا عمرو، ومش عايزة أسمع تردد.خرجت من المكتب، مشيت وسط المطعم وراسي مرفوعة. الزبائن كانوا بيبصوا لي بشفقة، بس أنا اديت إشارة للويترز إن كل حاجة تمام والخدمة ترجع طبيعي. الحركة رجعت، بس عقلي كان في مكان تاني خالص.. في التجمع الخامس، قدام باب الفيلا.بعد ساعة وربع، في الفيلا.. سهير كانت قاعدة في الجاردن بتشرب القهوة مع شهد، وبيضحكوا على اللي حصل في المطعم.— شفتيها يا ماما؟ فاكرة نفسها بقت حاجة عشان فتحت مطعم! والله المية الثلج دي كانت شوية عليها.— سيبك منها يا شهد، بكرة تزحف تحت رجلينا لما تعرف إننا مش محتاجين لها، ومردودة لها قسوة قلبها عليكي. فجأة، صوت الباب الخارجي للفيلا بيتفتح بقوة، وصوت جرس الباب بيض. رب باستمرار وبشكل متواصل ير. عب.شهد قامت بسرعة وهي متضايقة: — إيه الجنان ده! مين الأغبياء اللي على الباب دول؟فتحت الباب، ووجها اتخ. طف لما لقت ضابط شرطة واقف ومعاه اتنين محضرين وعساكر، ووراه عمرو المحامي ماسك حافظة مستندات زرقا.— المحضر إخلاء إداري للفيلا رقم 412.سهير قامت تجري من الجاردن بصدمة: — إيه الكلام الفارغ ده؟ إنتوا تعرفوا الفيلا دي ملك مين؟ الفيلا دي ملك صاحب شركة العقارات اللي مأجرين منه! عمرو خطى خطوة لقدام، وطلع ورقة رسمية مختومة بختم النسر ورفعها قدام عيونهم: — الشركة دي مباعة بالكامل بكافة أصولها وعقاراتها لشركة "أورا" للاستثمار، والمالك الجديد للفيلا وللشركة بالكامل هي الأستاذة مريم.. وصدر قرار بفسخ كافة العقود والإخلاء الفوري لعدم سداد الإيجار المتأخر واسترداد العين. قدامكم نص ساعة تلموا فيها هدومكم الشخصية فقط، وأي حاجة تانية جوة الفيلا حرز تحت تصرف المالك.شهد بدأت تصرخ وتض. رب برجليها على الأرض: — ده افترى! دي مجنونة! مش هنطلع من هنا، اطلبوا البوليس!الضابط اتكلم بصوت صارم ومفيش فيه هزار: — البوليس واقف قدامك يا أنسة. لو سمحتي اتفضلي لمي حاجتك بالهدوء وإلا هتنقلي للقسم بتهمة تعطيل تنفيذ حكم قضائي.خلال نص ساعة، كانت الشنط المرمية على باب الفيلا الخارجي هي كل اللي حيلتهم. سهير واقفة في الشارع بالشبشب الحريمي وشال خفيف على كتفها، وشهد ماسكة شنطة هدومها وبتعيط بانهيار وهي بتبص للفيلا اللي المقابض بتاعتها بتتغير في نفس اللحظة برجالة أمن تبع شركتي. الموبايل في إيد سهير رن. كانت ماسكاه بإيد بتترعش، ولما شافت الرقم ردت بصريخ: — يا حسرة قلبي عليكي يا مريم! بتطردي أمك في الشارع؟ بتعملي فينا كده عشان كاس مية؟رديت عليها بصوت هادي، هادي لدرجة يرعب، وأنا واقفة ورا إزاز مكتبي في الشيخ زايد بتفرج على النيل البعيد: — المية كانت الساقية اللي فوقتني يا أمي. 8 سنين وأنا في الشارع، ومحدش فيكم سأل أنا باكل منين ولا ببات فين. الفيلا اللي كنتي بتتباهي بيها وتذليني بيها.. طلعت بتاعتي. والشارع اللي رميتوني فيه من 8 سنين. . اتفضلوا جربوا عيشته من النهاردة.قفلت السكة في وشها قبل ما أسمع أي كلمة تانية، وحطيت التليفون على الطاولة، وشمرت أكمام بالطو الشيف الأبكر ونزلت المطبخ أكمل شغلي.مسكت السكينة وبدأت أقطع الخضار بحركات سريعة ومتقنة. صوت الخبط على القطاعة كان هو الحاجة الوحيدة اللي مسيطرة على المطبخ، والعمال حواليا بيتحركوا في صمت تام، محدش فيهم جرؤ يسألني عن اللي حصل بره، ولا عن المية اللي كانت لسه مبللة ياقة البالطو.فون المطبخ الداخلي رن. الشيف المسؤول رفعه ورجع بصلّي بتردد: — شيف مريم.. الأستاذ عمرو المحامي على الخط، بيقول الموضوع ضروري.نشفت إيدي ورفعت السماعة: — خير يا عمرو؟— مريم.. هما رفضوا يتحركوا من قدام باب الفيلا. واقفين في الشارع بره مع الشنط، وسهير هانم نازلة تصريح للناس والمارين في الشارع إنك رميتي أمك وأختك، وتليفونك بيرن من أرقام قرايبكم كلهم. . عمك حسام طلبني وبيقول القصة ديزم تتقفل يلموا الليلة قبل ما تبدأ الفضايح في العيلة.ابتسمت بسخرية وأنا بصة للافتة المطعم من الإزاز: — قرايبي؟ هما القرايب دول كانوا فين لما كنت بنام في العربية أول سنة بعد ما أتسحبت مني شقتي؟ حسام بيه ده بالذات مش كان عارف إن أمي رمتني عشان رفضت أدفع أقصاط عربية شهد الجديدة؟— أنا فاهم كل ده يا مريم، بس الوضع بره مش لطيف.. الصحافة والمواقع المغمورة ممكن تلقط حاجة زي دي، وإنتي اسمك بقى علامة تجارية كبيرة في السوق. — يلقطوا اللي يلقطوه يا عمرو. بلغ الأمن بره الفيلا لو حد قرب من الأسوار أو عمل شغب يطلب النجدة فورًا بتهمة التعدي على ملكية خاصة. وإنت ارميلهم في إيديهم مفتاح شقة الإيجار القديم بتاعت جدي في شبرا.. الشقة فاضية ومفهاش عفش غير سريرين، خلي شهد تجرب تعيش الحياة اللي كانت بتتريق عليها.قفلت السكة ورجعت التليفون مكانه.ساعتين عدوا وأنا غرقانة في تفاصيل الشغل، لحد ما الجرسون جه يجري وشها أصفر: — شيف مريم.. في واحدة بره عملة هيصة في الصالة ومصممة تدخل المطبخ، الأمن بيحاول يمنعها بس هي بتصرخ وبتنادي باسمك.مشيت باتجاه الصالة بهدوء تام. كانت شهد.. واقفة هدومها متبهدلة، المكياج سايح على وشها من العياط، ومسكينة شنطة يدها بإيد بتترعش. — شيف مريم.. في واحدة بره عملة هيصة في الصالة ومصممة تدخل المطبخ، الأمن بيحاول يمنعها بس هي بتصرخ وبتنادي باسمك.مشيت باتجاه الصالة بهدوء تام. كانت شهد.. واقفة هدومها متبهدلة، المكياج سايح على وشها من العياط، ومسكينة شنطة يدها بإيد بتترعش. أول ما شافتني، زقت الفرد بتاع الأمن وجريت عليا، بس وقفت على بعد مترين لما شافت جمود وشي.— مريم.. حرام عليكِ اللي بتعمليه ده! أمك قاعدة على الرصيف مش قادرة تتنفس! العيلة كلها بتتكلم علينا.. إنتي إزاي بقيتي بالشر ده؟ إحنا أهلك!بصيت لها من فوق لتحت، بنفس النظرة اللي كانت هي بتبصهالي بيها من ساعتين بس لما قالتلي "تخدمي الناس".— أهلي؟ كلمة جميلة أوي يا شهد.. افتكرتيها دلوقتي؟ افتكرتي إننا أهل لما الفيلا راحت؟ لما الكروت اتسحبت؟قربت منها خطوة واحدة، وصوتي نزل لنبرة هادية بس تقيلة زي الرصاص: — 8 سنين يا شهد.. 8 سنين كاملة وأنا بشتغل 18 ساعة في اليوم، بين حرارة المطابخ وإهانة أصحاب الشغل، عشان أعمل اسم ونفسي. 8 سنين أمك مكلفتش خاطرها ترن تتطمن أنا حية ولا ميتة. ولما دخلتوا عليا النهارده، مكنش عشان وحشتكم.. كان عشان تاخدوا اللقمة من إيدي بمنتهى البجاحة.شهد بدأت تعيط بصوت واطي وشهقات متقطعة: — طب وأمي؟ أمي ملهاش ذنب، أنا اللي كنت بضغط عليها.. مشيها عشاني أنا، بس ارجعي كلميها، الشقة اللي في شبرا مقفولة ومفهاش حتى مية! — الشقة دي هي اللي أصلكم يا شهد.. دي الشقة اللي أبويا الله يرحمه سابهاولنا قبل ما أمك تبيع كل حاجة عشان تصرف على مظاهر كدابة. المحامي سلمكم المفتاح، اتفضلوا روحي هناك، وابدأي دوري على شغل بجد.. شغل يعلمك إن الفلوس بتيجي بالشقا، مش بالأمر المباشر. شهد هزت رأسها بنفي وهي مش مصدقة: — مش هتمشي وتسيبينا كده.. إنتي كده بتمو. تينا!شاور بأيدي للأمن، وقربوا بهدوء وقفو بيني وبينها.— زي ما أمك رمت كوباية المية في وشي وقالتلي اتعودي على عيشة الشوارع.. أنا دلوقتي بفرش لكم أول طريق الحقيقة. المطعم ده بتاعي، والفيلا بتاعتي، وعيشة المظاهر انتهت. لو حد فيكم قرب من المطعم ده تاني، المحضر الجاي مش هيكون إخلاء.. هيكون عدم تعرض.لفيت ضهري ومشيت ناحية مكتبي، وسيبت صوت عياط شهد يختفي ورا باب المطبخ التقيل. وقفت قدام الشباك، رفعت إيدي ومسحت بقايا النداوة اللي كانت على ياقة البالطو.. والتنهيدة اللي حبستها 8 سنين طلعت أخيرًا. رجعت قعدت على الكرسي اللي ورا المكتب، حطيت إيدي على دماغي وسندت كوعي على الشاسيه الخشب. ض. ربات قلبي اللي كانت سريعة بدأت تهدا بالتدريج. السكوت جوة المكتب كان له صوت، صوت السنين اللي عدت كلها وهي بتتقفل ورايا باب باب. فجأة الموبايل نور على الترابيزة. رقم عمي حسام. سيبته يرن لحد ما قطع، ورن تاني.. وتالت. في المرة الرابعة رفعت السماعة وحطيتها على ودني من غير ما أنطق ولا كلمة. جه صوته من الناحية التانية منفعل، بس بيحاول يحافظ على نبرة "العم الكبيرة": — إيه يا مريم؟ إيه اللي أنا بدمعه ده؟ إنتي اتجننتي يا بنتي؟ تطردي أمك وأختك في الشارع قدام يسار الأرض ويمينها؟ الناس تقول علينا إيه؟ العيلة وشها بقى في الطين! رديت عليه ببرود أبرد من الثلج اللي اترمى في وشي: — مساء الخير يا عمي.. أولًا العيلة وشها في الطين من 8 سنين لما بنتكم الكبيرة اترمت في الشارع بشنطة هدومها وأنت كنت عارف ومافتحتش بقك بكلمة نصيحة لأختك. ثانياً، أنا مطردتش حد.. أنا استرديت ممتلكات شركتي. حسام اتعصب وصوته علي: — ملكية إيه وشركات إيه! دي أمك! أمك يا مريم! لو عملت إيه هي اللي ربتك وهي اللي جابتك الدنيا! تصحي الصبح تلاقي نفسها في الشارع وشهد جنبه بتصرخ؟ أنتي فاكرة الفلوس دي هتدوملك؟ دا دعوة واحدة منها كفيلة تهد اللي بنيتيه ده كله! ابتسمت بسخرية، ورفعت القلم الباركر الذهبي من على المكتب وأنا ببص لسنّه: — دعوة أمي؟ هو اللي يرمي ضناه في الشارع عشان رفض يرهن مستقبله لمصاريف أخته بيبقى فاكر ربنا يا عمي؟ أمي دعيت عليا كتير أوي في الـ 8 سنين اللي فاتوا، وربنا كرمني وفتحها عليا أكتر.. عارف ليه؟ عشان ربنا عدل، عارف مين الظالم ومين المظلوم. — مريم.. لمي الدور! أمك دلوقتي قاعدة في مدخل عمارة شبرا ومش قادرة تطلع السلم من كتر العياط والضغط، وشهد واقفة جنب الشنط مش عارفة تعمل إيه. انزلي هاتي أمك وعيشيها في مكان يليق بيها، ولعي في الفيلا ولا الملايين.. بس بلاش الفضايح دي! — المكان اللي يليق بيها هو الشقة اللي سابها أبويا الله يرحمه يا حسام بيه.. الشقة اللي هما استعروا منها وسابوها مقفولة عشان يروحوا يأجروا فيلا بالتجمع بـ 150 ألف في الشهر على حس الشركات الكدابة. لو أنت خايف أوي على شكل العيلة ووشها اللي في الطين، انزل شبرا، هاتلهم نجار يغير كوالين الشقة، واشتريلهم عفش جديد من جيبك.. مش أنت عمهم الكبير برضو؟ حسام سكت لحظة، كأنه اتزنق في الكلام، وبعدها قال بنبرة تهديد خفيفة: — يعني ده آخر كلام عندك يا مريم؟ مش هتحني؟ — المحامي سلمهم مفتاح شبرا. الشقة باسمي ومحفوظة، ومحدش هيقدر يخرجهم منها. ده كرم مني أصلًا إن عندهم سقف يحميهم النهاردة.. زي ما أنا زمان ملقيتش السقف ده. سلام يا عمي، وعن إذنك عندي مطعم محتاج أديره. قفلت الخط في وش حسام قبل ما ينطق كلمة زيادة، وحطيت الرقم في قائمة الحظر. قمت وقفت، وبصيت من شباك المكتب على صالة المطعم. حركة الويترز كانت منتظمة، الريحة الطالعة من المطبخ مشهية، والزبائن قاعدين بياكلوا ويضحكوا، كأن العاصفة اللي كانت هنا من ساعات مكنتش موجودة. نزلت المطبخ تاني. وقفت وسط الشيفات، وبصيت لشيف المساعد بتاعي وقلت بصوت واضح وثابت: — تجهيزات أوردرات الحجز بتاعة بكرة تخلص النهاردة قبل ما نقفل.. وأي زبون يسأل على اللي حصل المغرب، الرد يكون سطر واحد: حادثة بسيطة والتلفيات اتصلحت. الكل هز رأسه بتفهم واحترافية. مسكت السكينة من جديد، كملت شغلي ورجلي ثابتة على الأرض. لأول مرة من 8 سنين، أحس إن الوجع اللي كان جوايا اتمسح تمامًا.. زي المية اللي غسلت وشي ونشفت، وسبت مكانها نادبة قديمة بس مبقتش بتوجع. الساعة كانت دخلت في واحدة بعد نص الليل. المطعم أخيرًا فضي من الزبائن، والأنوار الرئيسية بدأت تتطفي واحدة ورا التانية، وتسيب بس إضاءة دافية خفيفة على الترابيزات. كنت واقفة في نص الصالة، باصة للمكان العظيم ده اللي بدأ بفكرة صغيرة وغرقت فيه سنين من عمري عشان يكبر. الهدوء اللي حل على الشيخ زايد في الوقت ده كان بيخليني أتنفس لأول مرة من غير ما أحس بتقل على صدري. الموبايل في جيب البالطو اتهز. مكنش رنة، كانت رسالة "واتساب" من رقم غريب. فتحت الرسالة.. كانت صورة.صورة لأمي سهير قاعدين هي وشهد على السلم القديم الرخام بتاع عمارة شبرا، والشنط محطوطة جنبهم، وحسام عمي واقف فوق ربتهم ماسك كشاف موبايله وبيحاول يفتح كالون الشقة الخشب المصدّي. وتحت الصورة رسالة مكتوبة بخط شهد: "ارتاحتي كده؟ مبسوطة وإحنا محميين بالتراب وفي الضلمة؟ حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا مريم." بصيت للصورة كام ثانية. زمان.. من كام سنة بس، كان المنظر ده كفيل يخليني أعيط وأجري ألمهم وأرضيهم حتى لو على حساب كرامتي. بس النهاردة؟ النبض في صدري مغيرش سرعته نقطة واحدة. كتبت رد من كلمة واحدة بس: "البيت بيتكم." وعملت بلوك للرقم فورًا. خرجت من باب المطعم الخارجي، الهواء بالليل كان فيه لسعة برد خفيفة. أمن الشركة وقف وسلم عليا واحترامهم ليا في عينيهم كان يفرق كتير عن زمن الضعف. لقطت مفاتيح عربيتي المرسيدس السودا، فتحت الباب وقعدت ورا الدركسيون. دورت الموتور، وصوت الفيروز الصداح بدأ يملى العربية. طول الـ 8 سنين اللي فاتوا، كنت كل ما أروح شقتي في أخر الليل، أحس إني رايحة مكان غريب، إني شغال في الساقية وبس. بس الليلة دي، وأنا ماشية على المحور ومروح، حسيت بأول طعم للحرية. المية الساقعة اللي اترمت في وشي الصبح مكنتش إهانة.. كانت آخر نقطة غسلت الوجع القديم، وعرفتني إن اللي بيني وبينهم مكنش دَم، كان استغلال وبس.وصلت كومبوند الشيك في زايد، فتحت باب الشقة الهادية، دخلت وغيرت بالطو الشيف الأبيض، وحطيته في الغسالة. وقفت قدام مراية التواليت، مسحت باقي المكياج، وبصيت لعيوني بثبات. ابتسمت ابتسامة خفيفة، هادية، وقوية.. ورجعت ظهري لورا وأنا بقول لنفسي بصوت واطي: — تصبحي على خير يا مريم.. بكرة يوم جديد، ومطعمك مستنيكي. الشمس أشرقت على الشيخ زايد، ونور النهار دخل من ستائر شقتي الواسعة ليملى الأوضة بالدفء. قمت من السرير بكل نشاط، عملت فنجان القهوة السادة بتاعي، ووقفت في البلكونة أبص على الخضرة والهدوء. لأول مرة من سنين طويلة، أصحى وأنا مش حاسة بتقل على صدري، ولا حاسة إن فيه دين عليا لازم أدفعه لناس عمرهم ما قدروني. ساعتين وكنت واقفة قدام باب مطعم "أورا". العمال والويترز كانوا بيجهزوا المكان لاستقبال زبائن الغداء، وأول ما دخلت بالبالطو الأبيض الجديد المغسول والمكوي، الكل وقف بثبات واحترام: — صباح الخير يا شيف مريم. — صباح الفل يا شباب، الهمة.. النهاردة جمعة وعندنا حجز كامل للصالة الرئيسية على الساعة 3. دخلت مكتبي، وفتحت اللاب توب عشان أراجع كشوف الحسابات وأرباح الشهر اللي فات. التليفون الأرضي بتاع المكتب رن، رفعت السماعة: — شيف مريم.. الأستاذ عمرو المحامي في مكتب الاستقبال بره وطالب يقابلك. — خليه يتفضل يا سمر. بعد ثواني، دخل عمرو وهو شايل إيده في جيبه ومبتسم ابتسامة هادية، قعد على الكرسي قدامي وقال: — صباح الخير يا مريم. طمنيني عليكي؟ — زي الفل يا عمرو.. بنام وأنا مرتاحة بالي لأول مرة من 8 سنين. إيه الأخبار عندك؟ حط ملف أزرق صغير على الترابيزة وقال: — تمت الإجراءات بالكامل. الفيلا اللي في التجمع اتسلمت لشركة العقارات التابعة ليكي، والأمن استلم الموقع، وكل المنقولات الشخصية الخاصة بأمك وشهد اتبعتت لهم في طرد رسمي على شقة شبرا.. ومحدش فيهم قدر يعترض قانونًا لأن كل الأوراق سليمة 100%. تنهدت براحة وقلت: — وشقة شبرا؟ — حسام عمك جاب نجار غير الكالون بالليل، وجابلهم شوية مرتبات وعفش يمشي الحال. بس طبعًا الشارع كله عرف بالقضية، والناس هناك طبعًا حافظين تاريخهم وعارفين إنك إنتي اللي كنتي شايلة البيت زمان، فالموضوع مالوش أي تأثير سلبي عليكي ولا على اسم مطعمك. — تمام يا عمرو.. كتر خيرك، تعبتك معايا. — العفو يا مريم.. إنتي اللي تعبتي كتير واستحملتي اللي محدش يستحمله، وده حقك ورجعلك. بعد ما خرج عمرو، نزلت المطبخ بنفسي أتابع شغل الشيفات. ريحة المشويات والبهارات كانت مالية المكان، والأنوار الدافية مدية للمطعم جو من الفخامة والراحة. على الساعة 3، الصالة كانت مليانة على آخرها. أصوات الضحك والمعالق والزبائن اللي مبسوطين بالأكل والخدمة كانت هي الموسيقى اللي بتخليني أحس بقيمة كل لحظة شقا عشتها. واقفة من بعيد، وبصيت لإديا اللي اتلسعت ميت مرة من الفرن والزيت، ولرجلي اللي شالتني ساعات وساعات في الشارع والمطابخ وأنا حافية ومش لاقية لقمة. الناس تفتكر إن الانتقام هو إنك تؤذي اللي أذاك.. بس الحقيقة إن أعظم انتقام هو إنك تنجح، وتكبر، وتعيش عزيز النفس، وتسيب اللي حاولوا يهدوك يشوفوك من بعيد وإنت في القمة.. وهما لسه واقفين في نفس النقطة اللي سابوك فيها. ابتسمت، وعدلت ياقة بالطو الشيف، ومشيت وسط الزبائن بوزع ابتسامات وثقة.. لأن القصة القديمة اتقفلت للأبد، واللي جاي كله بتاعي أنا بس. عدت ست شهور..الشيخ زايد كانت مغطاة بنفسيم الخريف الهادي، ومطعم "أورا" مكنش مجرد مكان ناجح، ده بقى واحد من أشهر مطاعم مصر، والفرع التاني في الساحل الشمالي كان خلاص بيلف تشطيباته الأخيرة استعدادًا للموسم الجديد. كنت واقفة في الصالة الرئيسية، لابسة بدلة رسمية كحلي أنيقة، ومفيش على وشي أي أثر للمية ولا لسنوات الشقا القديمة. الهدوء والثقة كانوا هما العنوان. دخل عمرو المحامي ومسك ملف جديد، سلم عليا وابتسامه عريضة على وشة: — مريم.. عقد شراء الأرض الجديدة في التجمع الخامس اتوقع خلاص. الفرع التالت هيتبنى على أرضك، وعلى بعد خطوات بسيطة جداً من الفيلا القديمة. ابتسمت بهدوء وقلت: — ممتاز يا عمرو.. شغل المعمار يبدأ من الأسبوع الجاي. وأنا بتكلم معاه، لمحت حركة على باب المطعم الزجاجي. شهد كانت واقفة بره على الرصيف. مكنتش شهد بتاعة زمان.. الهدوم الغالية والمظاهر الكدابة اختفت، كانت لابسة طقم بسيط أوي، وشكلها مجهد ومتوتر. طالعة ونازلة بعينيها على يافطة المطعم الفخمة وعلى الزبائن اللي داخلين وخارجين. محاولتش تدخل، كانت عارفة إن الأمن مش هيسمح لها، ولما عينها جت في عيني من ورا الإزاز، وقفت مكانها وثبتت. مربكتش نفسي، ولا عيني اترعشت. شاوَرت للأمن بهدوء إنهم يسيبوها، وخرجت لها بنفسي لغايه باب المطعم. أول ما قربت منها، شهد أخدت نفس مكسور وقالت بصوت واطي ومحرج: — مريم.. أنا مش جاية أعمل مشاكل، ولا جاية أطلب فلوس.. سكتت ثواني، وبعدين كملت وهي باصة في الأرض: — أنا نازلة أشتغل من شهر في محل ملابس في وسط البلد.. ببدأ من تحت زي ما قلتيلنا زمان. وأمي.. أمي تعبت شوية، بس الشقة بقت مستورة والحمد لله. أنا بس جاية أقولك.. إننا عرفنا قيمتك، وعرفنا إن القسوة اللي شفناها كانت الرد الطبيعي على اللعنة اللي كنا عايشين فيها. بصيت لها بتمعن. مكنتش جاية ببجاحة المرة اللي فاتت، كانت جاية بإنكسار وبداية استيعاب للحقيقة. قلت لها بصوت ثابت وراسي: — كويس يا شهد.. إنك أدركتي ده متأخر أفضل من إنك متدركيش خالص. الشغل الشريف هو الوحيد اللي بيبني بني آدم، والمظاهر الكدابة أخرتها الشارع. شهد دموعها نزلت وقالت: — أمي نفسك تشوفك يا مريم.. حلمها بس تسامحيها قبل ما العمر يجري. رديت بنبرة هادية بس محسومة: — أنا مش شايلة كره في قلبي يا شهد.. الكره بياخد من طاقة البني آدم، وأنا طاقتي كلها لشغلي ولمستقبلي. المسامحة دي بينها وبين ربنا، أما الرجوع لورا.. فده باب وأنا قفلته بالمفتاح ورميته في البحر من يوم ما خرجت من الفيلا. سحبت كارت من جيبي، حطيته في إيدها وقلت: — لو احتجتوا أي مصاريف علاج لأمي، المحامي عمرو هو اللي هيرتب ده بدون ما تدخلي في تفاصيل. غير كده.. كل واحد يكمل في طريقه. شهد مسكت الكارت، هزت رأسها بالقبول والدموع في عينيها، ولفت ومشت وهي بتجر خطواتها بتعب على الرصيف. بصيت لضهرها وهي تبعد، وبعدين لفت ودخلت مطعمي تاني. أصوات الملاعق، ضحكات الناس، ريحة الأكل الدافي، ونور الشمس اللي مالية الصالة.. كل حاجة كانت بتقول إن الحكاية خلصت صح. الظلم له نهاية، والشقا له قيمة، واللي يبني نفسه بنفسه.. يعيش طول عمره راسه مرفوعة للسما. تمت