مرات جوزي
أكيد. هخليها الزوجة التانية من البداية، وأعيد صياغة الجزءين بالعامية المصرية بشكل روائي سلس، مع تقوية الانتقالات والحبكة بحيث تبقى مريم مش مجرد ست هربت، لكن واضحة إنها كانت بتجهز نفسها من فترة، وهنسيب أسرار تخلي القارئ مستني الجزء التالت.
الكتابة
الجزء الأول — الست اللي دخلت بفستان أخضر
جوزي دخل عليّا أوضة السفرة وأنا في الشهر التامن، وماكانش داخل لوحده.
كان ماسك إيد ست غريبة، وقدام ولادنا وأمه وأخوه، أعلن بمنتهى الهدوء إنها مراته التانية… وإنها هتعيش معانا في بيتنا من النهارده.
في اللحظة دي، فهمت إن اللي بيحصل مش قرار طلع منه فجأة.
لأ…
الليلة دي كانت متخططة من زمان.
أنا اسمي مريم، وكنت متجوزة عمر بقالنا تسع سنين.
ابننا آدم عنده ست سنين، كان قاعد جنبي على ترابيزة السفرة، وبنتنا سلمى عندها أربع سنين، وكانت عندها مشكلة أهم من كل اللي بيحصل حوالينا:
الفراخ متقطعة مربعات “مربعة زيادة عن اللزوم” على حد تعبيرها.
حماتي نوال كانت عندنا على العشا، ومعاها أخو عمر الأصغر، كريم.
وفجأة سمعت خطوات عمر في الطرقة.
لكن المرة دي…
كان فيه صوت خطوات ست ماشية جنبه.
كعب عالي.
دخل عمر الأول، ووشه هادي بشكل مستفز، نفس الوش اللي كان بيظهر بيه في اجتماعات الشغل لما يكون داخل يقول خبر محدش هيعجبه.
وجنبه كانت واقفة يارا.
لابسة فستان أخضر زمردي، أنيق جدًا، لكنه كان واضح إنه معمول لمناسبة أكبر بكتير من عشا عائلي عادي.
أنا كنت شفت صورتها قبل كده.
عمر عمره ما اعترف إنها موجودة في حياته.
لكن الراجل اللي بيقتنع إن مراته معتمدة عليه ماديًا ومفيش عندها مكان تروح له… مع الوقت بيبطل يخاف يتكشف.
حماتي وقفت الشوكة في نص الطريق.
كريم نزل الكوباية من إيده ببطء.
آدم قرب مني أكتر.
أما عمر…
فما بصش غير ليَّ.
وقال:
“مريم، أعتقد إن كفاية بقى نمثل إن كل حاجة طبيعية.”
حطيت س\كينة سلمى جنب طبقها.
عمر مسك إيد يارا.
وبص لي وهو بيقول:
“يارا مراتي.”
الكلمة وقعت على السفرة زي حجر.
سلمى بصت له باستغراب.
“يعني إيه مراتك؟”
محدش رد.
عمر كمل:
“أنا ويارا اتجوزنا، وجناح الضيوف فاضي… وهي هتعيش هنا معانا من النهارده.”
يارا بصت لي بابتسامة صغيرة.
ابتسامة واحدة واثقة من نفسها.
كأنها كانت مستنية اللحظة دي من زمان.
عمر حط إيده حوالين كتفها، وفضل مستني.
والانتظار ده كان أهم جزء في الخطة.
لأن عمر كان مجهز المسرح كله.
من شهور، وهو بيحكي للناس نسخة جديدة مني.
مريم بقت عصبية بسبب الحمل.
مريم بقت بتخاف من الفلوس زيادة.
مريم مش بتعرف تتعامل مع الضغط.
مريم بقت متعلقة بالولاد بشكل مرضي.
ومريم ممكن تعمل تصرفات متهورة لو عمر قرر يبعد عنها.
كل جملة لوحدها ممكن تتفسر إنها مجرد شكوى من جوز تعبان مع مراته.
لكن لما تجمعهم كلهم…
تكتشف إن عمر كان بيكتب قصة كاملة.
قصة تخلي أي رد فعل مني الليلة دي يبان وكأنه دليل على إن المشكلة فيَّ أنا.
وهو النهارده جمع الجمهور كله.
أمه.
أخوه.
مراته التانية.
وولادنا.
كان مستني مني أصرخ.
أعيط.
أرمي حاجة.
أو حتى أضرب يارا.
كان عايزني أفقد أعصابي.
لكني بصيت ليارا وقلت بهدوء:
“قرار جريء.”
ابتسامتها اختفت سنة.
عمر رمش باستغراب.
“يعني إيه؟”
بصيت له.
“أقصد قرار إنك تدخل مراتك التانية بيتك وتطلب منها تعيش مع مراتك الأولى.”
شد فكه.
“ده كل اللي عندك؟”
رديت:
“لحد دلوقتي… آه.”
وبدأت أقوم.
كل حركة وأنا في الشهر التامن كانت محتاجة حساب.
ضهري بيوجعني طول الوقت، رجلي بتورم آخر اليوم، والبيبي كان عنده هواية جديدة: يركل ضلوعي كأنه بيخبط على باب.
مديت إيدي لآدم، وبالإيد التانية مسكت إيد سلمى.
وقلت:
“يلا يا حبايبي… نطلع فوق.”
عمر اتحرك ووقف قدامي.
“إحنا لسه مخلصناش كلام.”
بصيت له.
تسع سنين وأنا بلين كلامي قبل ما أقوله.
أعتذر عن السؤال قبل ما أسأله.
وأراجع نفسي وذكرياتي لمجرد إن عمر كان بيتكلم بثقة أكبر.
لكن الليلة دي…
بطلت.
وقلت:
“بالعكس يا عمر… إحنا خلصنا.”
وعديت من جنبه.
وهو ماكانش يعرف إن في شنطتي اللي كانت تحت…
كان فيه جهاز تسجيل صغير شغال.
بيسجل كل كلمة.
وماكانش يعرف كمان…
إن اللي شافه على السفرة كان مجرد أول مشهد في خطة بدأت قبلها بشهور.
الجزء التاني — الشنط كانت جاهزة من قبل ما يدخلها البيت
أول ما دخلت أوضة آدم، قفلّت الباب ورايا.
سلمى طلعت على سرير أخوها وهي حضنة أرنبها اللعبة، وآدم فضل باصص ناحية الباب.
وبعدين سألني بصوت واطي:
“ماما… الست دي بجد هتعيش هنا؟”
نزلت قدامهم على قد ما قدرت، وحطيت إيدي على كتف آدم.
وقلت:
“لأ يا حبيبي.”
سكت لحظة.
وبعدين قلت:
“إحنا اللي هنمشي الليلة دي.”
عينيه اتسعت.
“هنمشي؟”
هزيت راسي.
“آه.”
سألني:
“وبابا هييجي معانا؟”
السؤال ده كان أصعب من كل اللي عمر قاله تحت.
بصيت في عينيه وقلت:
“بابا وأنا عندنا مشاكل كبيرة بين الكبار، وهو مش هييجي معانا الليلة دي. بس اسمعني كويس… لا إنت ولا سلمى ليكم أي ذنب في اللي بيحصل.”
آدم بلع ريقه وسأل:
“هو لسه بيحبنا؟”
مسكت إيده.
“دي حاجة لازم تفضلوا عارفينها… مهما حصل بيني وبين بابا، إنتوا ولاده. ومش ذنبكم أي قرار بياخده هو أو أنا.”
سلمى رفعت الأرنب بتاعها وقالت بجدية:
“طب الأرنب هييجي؟”
ابتسمت رغم كل حاجة.
“الأرنب أول واحد هيركب العربية.”
جريت ناحية الدولاب.
فتحت الباب العميق اللي جنب الشباك، ومديت إيدي ورا الهدوم الشتوية.
وسحبت…
تلات شنط سفر.
آدم بص لي بصدمة.
“إنتِ مجهزاهم؟”
بصيت له.
“من تلات أسابيع.”
أنا ماكنتش أعرف إن عمر هيجيب يارا للبيت الليلة دي.
لكن كنت عارفة من حوالي تسع شهور إن اليوم اللي هضطر فيه أخرج من البيت ممكن ييجي في أي لحظة.
وعشان كده…
مااستنيتش اليوم ده ييجي.
الشنطة الأولى كان فيها هدومي وحاجات البيبي.
التانية فيها هدوم آدم وسلمى وكل اللي ممكن يحتاجوه.
أما التالتة…
فدي كانت أهم واحدة.
جواها شهادات الميلاد.
جوازات السفر.
الأوراق الطبية.
ملف متابعة الحمل.
بيانات التأمين.
أوراق المدرسة.
الأدوية.
إقرارات ضريبية.
كشوف حسابات مطبوعة.
صور من إيصالات.
ونسخ من مستندات تخص شركات عمر، من الأوراق اللي كان مسموح لي قانونيًا أحتفظ بنسخ منها.
وكمان فلاشة عليها نسخة احتياطية من كل حاجة.
قبل الجواز والخلفة، الأرقام كانت شغلي.
كنت بشتغل محللة مخاطر في شركة خدمات مالية.
شغلي كان إني أبص للبيانات وأعرف أفرق بين الخطر الحقيقي… والخطر اللي الناس بتتجاهله.
وعمر نفسه كان زمان بيقول للناس إن دي أكتر صفة بيحبها فيَّ.
إني باخد بالي من حاجات محدش بياخد باله منها.
لكن بعد ما خلفنا آدم…
بدأ يقنعني إني مش محتاجة أرجع للشغل.
في البداية قال إنه خايف عليَّ من ضغط الشغل.
بعدها قال إن الحضانة هتكون مكلفة.
وبعدين قال إن دخله كفاية.
وبعدها بقى كل ما أتكلم عن استقلالي المادي، يبتسم ويقول:
“إنتِ بعدتي عن المجال بقالك كتير يا مريم… الحسابات دلوقتي مش زي زمان.”
وبالتدريج…
العربية بقت باسم شركته.
التأمين الطبي من خلال شركته.
الموبايل على خط الشركة.
ومصاريف البيت على كارت هو المتحكم فيه.
من غير ما أحس…
كل باب من أبواب استقلالي بقى مفتاحه في إيده.
لكن عمر ارتكب غلطة واحدة.
افتكر إن ده معناه إني بقيت ضعيفة.
وماخدش باله إني من تسع شهور بدأت أرجع أتعلم كل حاجة من الأول.
بدأت أراجع الحسابات.
أجمع المستندات.
أفهم حقوقي.
وأحط خطة.
لأني اتعلمت في شغلي حاجة مهمة جدًا:
النجاة مش بتبدأ يوم الخطر… النجاة بتبدأ يوم ما تكتشف إن الخطر موجود.
وبعد حوالي ربع ساعة من خروجي من السفرة…
نزلت السلم تاني.
أنا وآدم وسلمى.
ورايا تلات شنط.
عمر كان واقف تحت.
وأول ما شافهم…
وشه اتغير.
لأول مرة من بداية الليلة، اختفت الثقة من عينيه.
بص للشنط.
وبعدين بص لي.
وقال:
“إيه ده؟”
رديت:
“هنمشي.”
ضحك ضحكة قصيرة متوترة.
“إنتِ بتهزري؟”
ما رديتش.
كملت ناحية الباب.
لحقني وقال:
“مريم، إنتِ في الشهر التامن، ومن غير شغل، ومعاكي طفلين… هتروحي فين؟”
فتحت الباب.
كان فيه عربية سيدان سودا مستنياني بره، والموتور شغال.
عمر خرج ورايا.
وفجأة صوته اتغير.
“اسمعي كويس.”
وبدأ يعدّد:
“الكروت اللي بتستخدميها أقدر أوقفها.”
“العربية باسم الشركة.”
“موبايلك على حسابي.”
“والتأمين الطبي من خلال شغلي.”
كان بيتكلم وكأنه بيقرأ لي قائمة بالأسباب اللي تثبت إني مستحيل أقدر أعيش من غيره.
وبعدين قال الجملة اللي كان واثق إنها هتوقفني مكاني:
“إنتِ فاكرة هتروحي فين من غير فلوسي؟”
وقفت.
بصيت له.
ولأول مرة فهمت بوضوح إيه اللي كان شايفه طول السنين دي.
مش مراته.
مش أم ولاده.
كان شايفني واحدة محبوسة جوه حياته… ومش معاها مفتاح الباب.
ابتسمت بهدوء.
وبعدين قلت:
“اتصل بمحاميك.”
سكت.
تمامًا.
بص لي كأنه لأول مرة يسمع صوتي.
قلت:
“وخليه يشرح لك بنفسه أنا رايحة فين… وإيه اللي مستنياك.”
وقتها بس…
عمر فهم إن الحكاية مش إن مراته خرجت من البيت.
الحكاية إن مراته كانت مستعدة للخروج من البيت قبل ما هو أصلًا يقرر يدخل مراته التانية.
واللي عمر ماكانش يعرفه…
إن المستندات اللي كانت في الشنطة التالتة مش بس كانت كفيلة تحميني أنا وولادي.
كان فيها دليل ممكن يغيّر شكل الق\ضية كلها.
لأن قبل ما أخرج من البيت بثلاثة أسابيع…
كنت اكتشفت حاجة في حسابات شركة عمر.
حاجة لو اتأكدت…
مش بس هتخليه يخسر جوازه.
ممكن تخليه يخسر أكتر بكتير.
الجزء التاني — 11 شهر من الهدوء قبل العاصفة