مرات ابني

من يوم ما ابني اتجوز، وأنا عمري ما بصيت لمراته على إنها «مرات ابني».

أنا كنت شايفاها بنتي.

عشر سنين كاملة وهي عايشة معانا في البيت. عشر سنين وأنا بشوفها بتكبر قدامي، وتتحمل مسؤولية بيتها وعيالها، من غير ما أسمع منها يوم كلمة شكوى.

ابني كان شغال في الكويت، وبينزل مرة واحدة في السنة.

شهر واحد.

وباقي السنة كانت هي لوحدها.

خمس عيال… أربع بنات وولد.

وكانت هي الأب والأم، والست اللي بتطبخ وتنضف وتذاكر للعيال وتوديهم وتجيبهم، وتفضل طول اليوم واقفة على رجلها.

والأغرب من كل ده إنها ما كانتش بتصرف على نفسها.

ابني كان بيبعت لها فلوس كويسة، لكن أنا عمري ما شفتها اشترت لنفسها حاجة تستاهل.

كنت أقول لها:

— يا بنتي، خدي لنفسك شوية فلوس. هاتي هدوم، اعملي شعرك، اخرجي، عيشي شوية.

كانت تضحك وتقول:

— أعيش إيه يا ماما؟ هو جوزي بره البلد وبيشقى علشان عياله. أنا آخد من فلوسه لنفسي ليه؟

كنت أقول لها:

— طب وإنتِ مش من عياله؟

فتضحك وترد:

— أنا مراته… وهو أحق بتعبه.

كنت وقتها أقول في نفسي:

«يا بخت ابني بيها.»

لكن بعد عشر سنين…

اكتشفت إن ابني نفسه ما كانش شايفها بنفس الطريقة.

في يوم، جالي اتصال من رقم غريب.

خبر قلب البيت كله.

ابني متجوز في الكويت.

ومتجوز بقاله سنين.

ومخلف كمان طفلين.

أنا حسيت الدنيا بتلف بيا.

لما واجهته، ما أنكرش.

قال بمنتهى البرود:

— أيوه يا أمي، أنا اتجوزت.

صرخت فيه:

— اتجوزت؟! يعني إيه اتجوزت؟ وإنت مراتك وعيالك هنا تعمل فيهم إيه؟

قال:

— ما أنا بصرف عليهم.

الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة.

قلت:

— هي كانت مستنياك عشر سنين! عشر سنين يا ابني! دي كانت بتحافظ على بيتك واسمك وعيالك!

قال:

— الشرع محلل أربعة.

بصيت له وأنا مش مصدقة.

قلت:

— الشرع محلل، بس إنت فاكر إن الجواز معناه إنك تعمل اللي إنت عايزه وخلاص؟ فين العدل؟ فين المسؤولية؟ فين العِشرة؟

سكت شوية وبعدين قال:

— هي لو عايزة تطلق، تطلق.

وقتها عرفت إن ابني اتغير.

لكن اللي ما كنتش متوقعاه هو رد فعل مراته.

ما صرختش.

ما شتمتش.

ما كسرتش حاجة.

ما راحتش تعمل مشكلة مع حد.

سكتت.

وسكوتها كان أخوف من أي خناقة.

بعد كام يوم، لقيتها واقعة في المطبخ.

نقلناها المستشفى.

الدكتور قال إنها منهكة جدًا، وإن جسمها وعقلها أخدوا فوق طاقتهم.

لما رجعت البيت، دخلت أوضتها، وقعدت قدامي.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *