مرات ابني

سألها:

— إنتِ بتعملي إيه؟

قالت:

— ببدأ حياتي.

الكلمة دي خبطته.

بعد شهور، المشروع الصغير كبر.

وبقت بتبيع شغلها للناس.

وبقت بتصرف على نفسها من تعب إيدها.

والبيت اللي أنا بنيته جنبنا بقى مليان حياة.

ولأول مرة…

ابني حس إنه هو اللي بقى واقف بره حياتهم.

وفي يوم، جه لي بالليل.

قعد قدامي فترة طويلة من غير كلام.

وبعدين قال:

— ماما…

قلت:

— نعم؟

قال:

— أنا كنت فاكر إن الفلوس هي اللي بتخليني أكون أب كويس.

سكت.

— طلعت غلطان.

بصيت له.

قال:

— أنا خسرت واحدة كانت شايلة بيتي وعيالي وعمري كله… علشان كنت فاكر إن وجودها مضمون.

قلت:

— ولسه فاكر إنك تقدر ترجع كل حاجة زي الأول؟

هز راسه.

— لأ.

وبعدين قال:

— بس عايز أصلح اللي أقدر عليه.

قلت:

— إصلاحك مش بالكلام.

قال:

— عارف.

وفعلًا…

بدأ يدفع حقوق أولاده بانتظام.

وسجل لهم جزء من أملاكه.

وأصبح ينزل من الكويت بشكل متكرر علشان يشوفهم.

أما مراته؟

ما رجعتش له.

مش لأنها كرهته…

لكن لأنها فهمت أخيرًا إن كرامتها مش ثمنها بيت، ولا فلوس، ولا لقب «مرات فلان».

هو حاول مرة يقول لها:

— طب نبدأ من جديد؟

بصت له بهدوء وقالت:

— أنا بدأت من جديد فعلًا.

سكت.

قال:

— يعني مفيش فرصة؟

قالت:

— الفرصة اللي كانت عندك كانت عشر سنين.

وأنا استنيتك.

دلوقتي…

أنا اخترت نفسي.

خرج من عندها وهو لأول مرة فاهم معنى الخسارة الحقيقية.

مش خسارة زوجة.

ولا خسارة بيت.

لكن خسارة إنسانة كان عنده كل يوم فرصة يقدّرها…

وهو اختار ما يعملش كده.

ومن يومها، كل ما حد يسألني:

«إنتِ ندمانة إنك وقفتي جنب مرات ابنك؟»

بقول لهم:

«أنا ما وقفتش ضد ابني… أنا علمته إن الغلط له تمن، وإن الست اللي شالت بيته عشر سنين مش من حق أي حد يكسرها لمجرد إنه قرر يعيش حياته بطريقته.»

أما هي…

فأول مرة من عشر سنين نامت وهي مش مستنية مكالمة من الكويت.

ولا مستنية حوالة.

ولا مستنية زوج يرجع.

نامت وهي عارفة إن حياتها بقت في إيدها.

وعرفت أخيرًا…

إن أحيانًا نهاية الجواز مش نهاية الحياة.

أحيانًا…

بتكون أول مرة الإنسان يبدأ يعيشها بجد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *