حكايات اسما السيد فاتورة كرامة أمي
ليلى مشيت خطوتين، وبعدين وقعت على حضنها.
أمي ضحكت من قلبها.
وأنا وقفت أتفرج عليهم ودموعي نازلة من الفرحة.
ساعتها فهمت إن أغلى حاجة في حياتي مش الشقة، ولا الفلوس، ولا حتى الصورة المثالية اللي كنت راسماها للجواز.
أغلى حاجة كانت الست اللي فضلت جنبي لما الدنيا كلها اتقلبت.
الست اللي جت تساعدني وأنا لسه والدة، وخرجت من بيتي وهي شايلة وجع إهانة مكنتش تستحقها.
لكنها عمرها ما سابتني.
وفي يوم من الأيام، وأنا براجع أوراق قديمة، لقيت فاتورة الخمسة آلاف جنيه اللي حسام كان عاملها لأمي.
فضلت باصة لها شوية.
وبعدين حطيتها في ملف صغير، وكتبت عليه:
«اليوم اللي عرفت فيه قيمة الناس على حقيقتها».
مكنتش محتفظة بيها علشان أفتكر القسوة.
كنت محتفظة بيها علشان عمري ما أنسى الدرس.
إن مش كل واحد معاه فلوس يبقى غني.
ومش كل واحد بيحسب كل جنيه يبقى فاهم قيمة الحاجات.
فيه ناس عندها ملايين، لكن قلوبها فقيرة.
وفيه أم بسيطة عندها تلاتة وسبعين سنة، وركبها بتوجعها، ومع ذلك بتدي من صحتها وعمرها وراحتها من غير ما تستنى مقابل.
حسام كان فاكر إنه لما يحاسب أمي على شهر إقامتها، هيكسب خمسة آلاف جنيه.
لكنه في الحقيقة خسر احترام مراته، وثقتها فيه، والبيت اللي كان ممكن يعيش فيه سعيد طول عمره.
أما أمي، فخرجت من الحكاية دي وهي أغنى إنسانة في عيني.
لأنها كانت بتملك حاجة الفلوس عمرها ما تشتريها.
قلب أم.
ومن يومها أخدت عهد على نفسي إن ليلى لما تكبر، هعلمها إن البر مش مجرد كلام حلو بنقوله لأهلنا.
البر احترام، ورحمة، وتقدير لتعب السنين.
وهعلمها كمان إن كرامتها مش للبيع، وإن الحب الحقيقي عمره ما يكون على حساب إهانة حد غالي عليها.
أما آخر مرة شفت فيها حسام، فكانت لما جه يشوف ليلى.
وقف عند الباب، وبص لأمي وقال:
— أنا لسه فاكر اليوم اللي طلبت فيه منك الخمسة آلاف جنيه، ونفسي أرجع الزمن وأمسح اللي حصل.
أمي ردت بهدوء:
— الزمن مش بيرجع يا ابني، بس الإنسان يقدر يتعلم من غلطه.
بصلي حسام، وقال:
— أنا خسرت كتير يا ندى.
رديت:
— أهم حاجة إنك متخسرش نفسك أكتر، وتبقى أب كويس لبنتك.
دخل شاف ليلى، وقعد معاها شوية، وبعدها مشي.
قفلت الباب بهدوء.
مكنش جوايا انتقام، ولا شماتة.
كان جوايا سلام.
ولأول مرة من سنين، حسيت إن حياتي بقت ملكي، وإن المستقبل لسه قدامي.