أولاد أخي

لما ابن أخويا وصل لباب بيتي مرعوب
الخبطة اللي عمري ما توقعت أسمعها
لمدة تلات سنين، كنت بقنع نفسي إن بُعدي عن أولاد أخويا هو أحسن وأحن حاجة ممكن أعملها.
لحد ما جه يوم سبت عادي جدًا، في وقت الظهر، وأنا قاعد في بيتي، وفجأة لقيت ابن أخويا الصغير، اللي عنده ست سنين، واقف قدام باب البيت… وماسك إيد أخته الصغيرة.
أول ما شوفته، تقريبًا ما عرفتهوش.
كنت في الجراج بحاول أصلّح دولاب خشب قديم، لما سمعت خبطة خفيفة على باب البيت.
ما كانتش خبطة عامل توصيل مستعجل، ولا الخبطة السريعة بتاعة حد من الجيران.
الخبطة اتكررت.
تلات خبطات هادية.
روحت فتحت الباب…
ولقيت ولد صغير واقف قدامي، لابس كوتشي عليه تراب، وشعره البني لازق في جبينه من الحر.
وجنبه أخته الصغيرة، ماسكة شنطة ظهر بنفسجية قديمة.
فضلت باصص لهم كام ثانية… مش قادر أنطق.
وفجأة سمعت صوته:
— “عمو سامح؟”
حسيت حلقي نشف.
— “آدم؟!”
هز راسه.
وكانت أخته واقفة وراه… ليلى.
ولاد أخويا.
الأطفال اللي تقريبًا ما سمحوش لي أشوفهم بقالهم تلات سنين.
نزلت لمستواه بسرعة، وقلبي بدأ يدق جامد.
— “ماما فين؟”
آدم بص لأخته الأول، وبعدين رد بصوت صغير:
— “مش عارف.”
وسكت لحظة، قبل ما يقول الجملة اللي قلبت حياتي كلها:
— “ليلى كانت جعانة… ومكنش فيه حاجة تاكلها. افتكرت إزاي أوصل لبيتك.”
فضلت باصص له ومش عارف أقول إيه.
بيتهم ما كانش جنبنا.
ولا حتى في نفس الشارع.
الولد الصغير ده كان ماشي كذا شارع وسط حر الصيف، ومعاه أخته، بس لأنه افتكر إن الوصول لعمه هو أكتر مكان آمن ممكن يروحه.
أخويا اللي كنت فاكر إني هفضل معاه طول العمر
أخويا الأصغر، كريم، كان دايمًا أكتر واحد مليان طاقة في العيلة.
كان ممكن يدخل أوضة كلها ساكتة، وبعد دقيقتين يخلي الكل يتكلم ويضحك.
أنا كنت أكبر منه بأربع سنين، وطبعي أهدى بكتير.
وأحنا صغيرين، أنا كنت أقعد أصلّح العجل بتاعي، وهو ياخده ويجري بيه في الشارع.
أنا كنت أحب أقرا التعليمات قبل ما أعمل أي حاجة…
وهو كان بيرمي التعليمات على جنب ويقول:
— “نجرب ونشوف!”
كنا مختلفين جدًا…
بس كنا قريبين من بعض بشكل كبير.
لما كريم اتجوز سارة، كنت أنا شاهد فرحه وأقرب واحد ليه.
ولما ابنه آدم اتولد، كريم كلمني قبل الفجر.
وقال لي وهو فرحان:
— “مبروك يا عمو سامح… بقيت عم رسمي!”
كنت سامع الفخر في صوته.
وبعد تلات سنين، اتولدت ليلى.
كريم كان بيعشق ولاده.
صوَرهم كانت في كل مكان حواليه…
في محفظته، على مكتبه، وحتى في تابلوه عربيته.
كان بيحبهم بشكل يخليك تحس إن الدنيا كلها ما تساويش عنده لحظة معاهم.
لكن في يوم تلات…
كل حاجة اتغيرت.
كريم كان بيجهز نفسه عشان يروح الشغل، وفجأة تعب تعب شديد.
رغم كل المحاولات…
ما رجعش البيت تاني.
كان عنده ستة وتلاتين سنة بس.
في لحظات معينة في الحياة، بتحس إن حياتك اتقسمت نصين:
حياة قبل اللحظة دي… وحياة بعدها.
المكالمة دي كانت اللحظة اللي قسمت حياتي.
وعد اتقال في قعدة عائلية
بعد عزاء كريم، العيلة كلها اتجمعت في بيت سارة.
كانت قاعدة على الكنبة، شايلة ليلى الصغيرة، وآدم كان واقف جنبها وسند راسه على رجلها.
كلنا كنا عايزين نساعد.
أمي قالت إنها ممكن تقعد معاها كام أسبوع.
وخالتي عرضت عليها تبعت لها أكل كل يوم.
وأنا قلت لسارة:
— “أنا أقدر أخلص لك أي حاجة. تصليحات البيت، مشاوير، طلبات، توصيل آدم وليلى… أي حاجة تحتاجيها، أنا موجود.”
لكن سارة هزت راسها.
وقالت بهدوء:
— “ماتزعلش مني… أنا مقدّرة جدًا وقفتكم جنبي. والله مقدّراها. بس الأطفال محتاجين استقرار دلوقتي.”
محدش جادلها.
وبعدين بصت لي مباشرة.
وقالت:
— “بالذات إنهم محتاجين وقت يتأقلموا… من غير ما يفضلوا كل شوية يفتكروا كريم.”
ساعتها فهمت قصدها.
أنا وكريم كنا شبه بعض.
نفس لون العينين تقريبًا، ابتسامة قريبة، وحتى نفس الحركة الغريبة اللي بنعملها لما نفكر… كنا بنفرك فكنا بإيدينا.
فبدأت أسأل نفسي:
يا ترى وجودي قدام آدم هيخليه يفتكر أبوه أكتر؟
ولما سارة طلبت مني أديهم مساحة…
وافقت.
في الوقت ده كنت فاكر إني بحترم رغبة أم مكسورة على جوزها.
لكن بعد سنين، فهمت حاجة مهمة جدًا:
أوقات، الطيبة والخوف من إننا نتدخل في حياة حد… ممكن يخلونا نسكت عن حاجات ما كانش المفروض نسكت عنها.
كل مرة كنت بحاول أشوفهم… كان فيه سبب يمنعني
في البداية، كنت بتصل كل ويك إند.
ساعات سارة كانت ترد.
وساعات لأ.
وكل ما أسألها عن آدم وليلى، كانت تقول لي:
— “الحمد لله، كويسين.”
كنت أقول لها:
— “طب أوديهم الحديقة شوية؟”
فترد:
— “آدم عنده برد.”
أقول لها:
— “طب أعدي عليهم بهدايا عيد ميلادهم.”
— “إحنا مسافرين.”
أسألها في عيد الميلاد:
— “ينفع أعدي أشوفهم؟”
فتقول:
— “الأطفال متوترين السنة دي.”
كان دايمًا فيه سبب.
والمشكلة إن كل سبب لوحده كان يبدو منطقي جدًا.
وده بالضبط اللي كان بيخدعني.
عذر واحد مش بيبان غريب.
لكن لما يبقى عندك عشرين عذر على مدار تلات سنين…
الموضوع ممكن يبان مجرد ظروف الحياة.
بعت لهم هدايا.
وبعت كروت معايدة.
وحوّلت فلوس عشان أساعد في شراء هدوم المدرسة.
وساعات كانت سارة تبعت لي رسالة قصيرة:
“شكرًا.”
وفي أغلب الأوقات…
ما كنتش بسمع أي حاجة.
أمي كمان كانت بتواجه نفس الموضوع.
وفي الآخر، بدأنا إحنا الاتنين نقنع نفسنا بنفس الكلام:
“سارة بتربي طفلين لوحدها… خلينا مانزودش الضغط عليها.”
لكن رغم كل ده…
كان فيه إحساس جوايا بيقول إن فيه حاجة غلط.
في المرات القليلة اللي كنت بشوف فيها آدم، كان دايمًا هادي زيادة عن اللزوم.
وليلى كانت تقريبًا مش عارفة أنا مين.
مرة قابلت آدم بالصدفة قدام سوبر ماركت.
أول ما شافني، بدأ يمشي ناحيتي.
لكن سارة مسكت إيده بسرعة.
وقالت:
— “إحنا مستعجلين.”
وقبل ما يمشوا، آدم لف وبص لي…
ولوّح بإيده.
فضلت فاكر التلويحة دي شهور.
الأطفال اللي وقفوا قدام باب بيتي
ودلوقتي…
نفس الولد اللي كنت بشوفه من بعيد كل كام شهر…
كان واقف قدامي في مدخل بيتي.
مرعوب.
ومعه أخته الصغيرة.
وأنا لسه مش فاهم…
إيه اللي حصل في التلات سنين اللي فاتوا؟
لكن كلمة واحدة قالها آدم كانت كفاية إنها تخليني أعيد التفكير في كل حاجة حصلت من يوم وفاة أخويا:
“تاني.”
لأن لما طفل صغير يقول:
“ماما حبستنا تحت… تاني يا عمو.”
ساعتها، كل الأعذار اللي صدقتها لمدة تلات سنين…
بدأت تاخد معنى مختلف تمامًا.
الجزء الثاني: الحقيقة اللي بدأت تظهر

1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *