سيارة سوداء
ركبت العربية السودا الغلط من غير ما أبص… ولما فتحت عيني، لقيت نفسي بين إيدين أخطر راجل في نيويورك!
ساعتها كانت نيويورك بقت ورايا بكتير، وموبايلي قرب يفصل، وأنا محمولة بين إيدين راجل غريب لابس بدلة غالية، وبيمشي بيا جوه قصر ضخم كأني واحدة من أهل البيت!
كان المفروض أول ما فتحت عيني أصرخ بكل قوتي…
لكن بدل ما أصرخ، فضلت باصة في عينيه السودا الباردة، وأنا بسأل نفسي:
هو أنا من كتر التعب نمت وصحيت لقيت نفسي في إيدين واحد من رجال المافيا؟!
الصبح ده، كنت بالعافية فاتحة عيني في محاضرات علم النفس العصبي، بعد ما قضيت تمن ساعات كاملة في شغلي في الكافيه.
شنطتي كانت تقيلة على ضهري كأن جواها طوب، والجزمة القديمة كانت بتجرح رجلي، وكل اللي كنت بحلم بيه إني أوصل البيت، أخد دش، وأنام تلات أيام متواصلين.
لما تطبيق طلب العربية ظهرلي إن عربية سيدان سودا مستنياني على الرصيف، فتحت الباب اللي ورا، ورميت نفسي على الكرسي الجلد من شدة الإرهاق.
وقبل ما أقفل عيني، تمتمت:
— شكرًا إنك استنيتني…
العربية كانت ريحتها غريبة ومميزة… خشب ملمع، وتوابل، وبرفان رجالي غالي لدرجة إنه أكيد أغلى من مرتبي.
السواق كان لابس بدلة، بس أنا كنت تعبانة لدرجة إني ما اهتمتش.
حتى لما العربية فضلت واقفة مكانها، ما سألتش ليه.
ثواني بس…
وشنطتي وقعت على الأرض، والدنيا كلها اختفت من قدامي في ضلمة دافية وتقيلة.
ومحستش بحاجة.
لا سمعت باب العربية بيتفتح جنبي…
ولا شفت راجل تاني بيقرب من العربية.
بعد شوية، صوت رجولي عميق قطع الصمت:
— إيه اللي جاب واحدة نايمة في عربيتي؟!
السواق رد بسرعة وشرح له إني ركبت العربية، وشكرته، وبعدها على طول نمت، فافتكر إني راكبة معاه عن قصد.
الراجل الغريب قرب مني وقال إن دي مش عربيتي وإن أنا ركبت العربية الغلط.
لكن…
أنا طبعًا ما تحركتش.
بعد ما فضل حوالي عشرين دقيقة واقف بيتفرج عليّا وأنا نايمة، آدم المنشاوي أخد قرار هيغيّر حياتنا إحنا الاتنين.
بص للسواق وقال بلهجة ما فيهاش نقاش:
— على البيت يا ياسين.
السواق اتردد:
— بس يا فندم…
آدم قاطعه:
— مش هسيب ست فاقدة الوعي لوحدها على رصيف في نيويورك. اتحرك.
العربية بدأت تمشي وسط شوارع المدينة.
ومن غير ما أحس، راسي مالت على كتفه العريض.
ولما حاولت أتحرك، لقيت نفسي بدل ما أبعد… بقرب أكتر.
ضحكة خافتة اهتزت تحت خدي، وسمعته بيهمس:
— معقول…
صحيت وأنا محمولة بين إيدين حد.
فتحت عيني ببطء، ولقيت نفسي تحت نجفة كريستال ضخمة، بتلمع فوق راسي.
إيدين قوية ماسكاني، وجسمي مستند على صدر صلب، وإيديا كانت فوق قماش بدلة واضح جدًا إنه أغلى من مصاريف دراستي كلها!
تمتمت بنعاس:
— إنت… ليه شايلني؟
وبمجرد ما استوعبت اللي حواليا، عيني اتفتحت على آخرها.
أنا مش في بيتي!
أنا جوه قصر واحد معرفوش!
حواليّا رخام، وسكوت غريب، وفخامة تخوف…
وأكتر حاجة خوفتني كانت الإحساس الواضح إن المكان ده محدش بيدخله أو بيخرج منه إلا بإذن.
صرخت:
— نزلني!
وضربت صدره بإيدي وحاولت أركله، بس من غير أي فايدة.
هو بس شد إيده حواليا أكتر وقال بهدوء:
— بطلي تتحركي أحسن ما أقعك.
صرخت:
— هصرخ!
رد بكل برود:
— اصرخي براحتك… أقرب بيت هنا يبعد عنك حوالي تلاتة كيلومتر.
في اللحظة دي…
الخوف الحقيقي بدأ يحل محل ارتباكي.
وأخيرًا نزلني على الأرض الرخام.
رجعت لورا بسرعة وأنا بتخبط في خطواتي.
رفعت عيني عليه.
كان أطول مني بفرق واضح، كتافه عريضة، شعره الأسود متسرح بعناية، وعينيه لونهم غامق لدرجة إنهم كانوا شبه السواد.
كان وسيم بشكل يخض…
لكن رغم كده، كان فيه حاجة مخيفة في سكونه.
حاجة تخليكي تحسي إن الراجل ده متعود إن الناس تطيعه من غير ما تسأل.
وآخر حاجة أكيد كان متعود عليها…
إن واحدة غريبة تدخل عربيته بالغلط وتصحى تضربه في صدره جوه قصره!
بصيت له بغضب وقلت:
— إنت مين؟!
وبعدين بصيت حواليّا:
— أنا فين؟ وإنت عايز مني إيه؟
ميل راسه شوية، كأنه بيفكر يقولّي قد إيه من الحقيقة.
وبعدين قال بكل هدوء:
— إنتِ في بيتي… وأنا مش عايز منك حاجة.
كنت على وشك أضحك.
مين يصدق الكلام ده؟
الرجالة الأقوياء مش بياخدوا ست غريبة تعبانة لقصرهم من غير سبب!
سألته:
— طب جبتني هنا ليه؟
وبعدين أشرت بإيدي على نفسي وقلت:
— وإيه اللي خلاك تشيلني كأني شوال بطاطس؟!
لأول مرة، تعبير بسيط ظهر على وشه.
لكن قبل ما يلحق يرد…
صوت خطوات اتردد في الممر.
لفّينا إحنا الاتنين.
ظهر راجل شاحب من الخوف.
أول ما شافني…
وقف مكانه كأنه اتسمّر.
وبص لآدم، وبعدين بصلي تاني، وهمس بصوت مرتعش:
— يا باشا… هي شبه الست اللي في الصورة بالظبط.
في اللحظة دي، الابتسامة اختفت تمامًا من على وش آدم.
ملامحه اتجمدت.
ومسك إيدي من عند معصمي.
مش بطريقة توجع…
لكن بقوة كفاية تمنعني من إني أجري.
وقال للراجل:
— صورة إيه؟!
الراجل بلع ريقه، ورد بصوت مليان رعب:
— الصورة اللي حضرتك مخبيها في الخزنة الخاصة…
سكت لحظة، وبعدين كمل:
— الصورة اللي اتصورت من 23 سنة…
— بتاعة الست اللي كل الناس فاكرة إنها ماتت.
ساد الصمت المكان.
أنا بصيت لهم وأنا مش فاهمة حاجة.
أما آدم…
فببطء شديد، لف ناحيتي.
ثبت عينيه في عيني.
وبصوت هادي، لكن فيه حاجة خلت الدم يتجمد في عروقي، سألني:
— اسم والدتك إيه؟