المليونير

تخيلي لو دخل شخص غير أمين إلى هنا.
أسند ظهره إلى كرسي الجلد ومسح وجهه بيديه وشعر بشيء غريب يصعد إلى حلقه.
لم تكن غضبا ولا صدمة كان شيئا أسوأ
الخجل.
لأن آنا لم تكن تختبر أمانة صاحب العمل بل كانت تحميه من سذاجته من تهاونه من العالم الذي تعرفه جيدا عالم يوجد فيه أشخاص غير أمناء وعالم هي لا ترى نفسها جزءا من تلك الفئة فيه.
نهض مارسيلو وتقدم نحو النافذة وحدق في الحديقة المرتبة التي لم تطأها قدماه قط وشعر بانقباض في صدره.
كم شخصا حكم عليه كم شخصا اختبر كم واحدا أدانه بسبب لحظة ضعف أو يأس أو حاجة
وكم شخصا مثل آنا لم يعطه فرصة أصلا ليثبت العكس
عاد إلى الحاسوب وبحث عن اسمها في بيانات الوكالة
آنا بياتريس أوليفيرا 34 عاما أم لطفلين عنوانها في إيتاكيرا تعمل كمنظفة بالمياومة منذ ست سنوات مراجعها ممتازة لا شكاوى لا غيابات دائمة الالتزام مؤدبة.
ضغط على معلومات إضافية فوجد أنها طلبت سلفتين خلال العام الماضي واحدة لدفع ثمن

دواء لابنها وأخرى لإصلاح الثلاجة التي تعطلت في عز الصيف وأتلفت طعام الأسبوع كله.
أغمض عينيه. كانت تلك المرأة بوضوح تعيش على الحافة تصارع لتبقى واقفة.
ومع ذلك ومع 32500 ريال أمامها وحدها دون أن يراها أحد ودون أن يعرف أحد اختارت أن تحمي غريبا أن تحميه هو.
فتح عينيه ولأول مرة منذ زمن طويل شعر بشيء مختلف
فضول حقيقي إنساني بلا حسابات.
من تكون آنا بياتريس
بم تفكر
كيف ترى الحياة
كيف تحمل كل هذه الكرامة وسط هذا القدر من الضيق
نظر إلى الساعة. الرابعة وأربعون دقيقة. آنا لا تزال في المنزل ستنتهي عند الخامسة تقريبا. تنفس بعمق وقرر أن ينتظر.
الساعة 1705. طرقة خفيفة على باب المكتب.
فتح مارسيلو. كانت آنا هناك.
زيها لا يزال مرتبا شعرها مرفوع عيناها مرهقتان لكن طيبتان.

ابتسمت بخجل من لا يريد أن يزعج أحدا
عذرا يا سيد أنهيت التنظيف. فقط أردت أن أخبرك بشيء قبل أن أغادر.
أشار لها أن تتابع فلم تسعفه الكلمات.
تركت مبلغا من المال فوق الخزانة في غرفة النوم.
أخذت صورة له لتتأكد أن كل شيء كما هو. تركته كما وجدته.
أرته الصورة الأوراق مصطفة كما كانت.
نحن لا نعرف أبدا أحيانا يدخل أكثر من شخص إلى المنزل. من الأفضل أن تحفظ مثل هذه الأشياء.
نظر إليها مارسيلو إلى ذلك الوجه المتعب إلى ذلك الصدق الذي يستحيل اصطناعه وشعر أن الأرض تميد تحته.
شكرا لك تمكن أخيرا من القول بصوت مبحوح. أنا الذي أشكرك.
ابتسمت آنا ثانية
لا داعي يا سيد هذا هو الصواب.
عدلت الحقيبة على كتفها.
إن احتجتني مرة أخرى الوكالة لديها بياناتي. أتمنى لك مساء لطيفا.
وغادرت.
بقي مارسيلو واقفا هناك يستمع إلى وقع خطواتها وهي تبتعد وصوت الباب الأمامي يغلق والبوابة تفتح ثم عودة الصمت.
عاد إلى المكتب أغلق الباب ولأول مرة منذ ست سنواتمنذ الطلاق ومنذ أن بنى تلك الجدران حول قلبه ومنذ أن قرر أن العالم فاسد وأنه محق في عدم الثقة بأحدجلس على الأرض وأسند رأسه إلى الحائط وبكى.
بكى لأنه أدرك حقيقة قاسية
الوحش في القصة لم يكن العالم بل كان هو نفسه.
لم ينم تلك الليلة. بقي مستلقيا على سريره الكبير البارد يحدق في السقف العالي ويعيد المشهد في ذهنه مرارا آنا النقود الرسالة خوفها الصادق عليه شعوره بالمهانة ليس لأنها أهانته بل لأنه أهان نفسه طوال تلك السنوات.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *