المليونير

وكلما فعل ذلك شعر بخفة لم يعرفها من قبل كانت الجدران حول قلبه تتهاوى ببطء حجرا بعد حجر.
بعد عام وثلاثة أشهر لم يعد القصر كما كان
صارت ضحكات الأطفال تملأ أرجاءه وأصبحت الحديقة تضم أرجوحة وبيتا صغيرا للعب وكرة منسية قرب المسبح.
صارت غرفة الجلوس تحوي وسائد ملونة ورسومات أطفال معلقة على الثلاجة بمغناطيس ورائحة كعك منزلي لا تفارق المكان.
وتغير مارسيلو هو الآخر
استبدل بدلة العمل في عطلة نهاية الأسبوع بقميص بسيط وتخلى عن مظهره المتكلف وصارت ابتسامته حقيقية لا دفاعية.
كان قد وقع في حب آنا وفي حب طفليها وفي حب الحياة الجديدة التي لم يتخيلها يوما.
البداية كانت بطيئة مرت أشهر وهو يكتفي بالحضور دون ضغط. كان يوصلها بالسيارة في الأيام الماطرة ويأخذ الأطفال إلى المدرسة إذا بدت متعبة ويأتي بطعام جاهز في عطلة نهاية الأسبوع ليمنحها وقتا للراحة ويجلس مع ميغيل ولوانا يشاهدان الرسوم.
بدأ ميغيل يناديه العم مارسيلو ويسأله ببراءة
عمي هل تحب أمي
وكان يجيب بصدق
أحبها جدا أمك أعظم امرأة عرفتها.
كانت لوانا أكثر خجلا لكن في أحد الأيام جلست وقدمت له زهرة من الحديقة وقالت بهمس
هذه لك لأنك تجعل أمي تبتسم.
احتاجت آنا خمسة أشهر لتسمح لقلبها بالاستسلام لا لأنها لم تشعر بشيء بل لأنها خـ,ـافت خـ,ـافت أن تجـ,ـرح مرة أخرى أن تعرض أبناءها للأذى أن يكون ما تشعر به مجرد امتنان لا حب.
ولكن مع مرور الوقت أدركت أن ما بينهما كان أكبر من الشكر.
رأته كيف يتعامل مع أطفالها وكيف يصغي وكيف يحترم. رأته يلتفت للتفاصيل الصغيرة ويحمل عنهم أثقالا كثيرة بصمت.
وعندما أنهت آنا المرحلة الثانوية بنجاح أقام لها مارسيلو عشاء بسيطا في البيت
لزانيا منزلية كعكة شوكولاتة وطاولة مضاءة بالشموع.
ألقى كلمة قصيرة أمامها وأمام الأطفال ووالدتها أثنى فيها على صمودها وكفاحها وأخبرها أنه يؤمن بأنها ستكمل طريقها إلى الجامعة وأنها ستصبح معلمة تغير حياة الكثيرين كما غيرت حياته هو.
ثم قدم لها مفتاحا لمنزل جديد اشتراه باسمها بثلاث غرف وحديقة صغيرة قريب من مدرسة الأطفال والجامعة. قال لها إنه بيتها مسجل لها ولأطفالها ووالدتها لكي لا تقلق بعد اليوم بشأن الإيجار ولكي يكون لهم بيت حقيقي.
بكت آنا طويلا وعانقها أطفالها وشكرته والدتها وهي تقول له
شكرا لأنك ترى ابنتي كما تستحق أن ترى.
ومع الوقت صار واضحا أن ما يجمعهما أعمق من الامتنان وأن بينهما مودة ورحمة حقيقيتان.
وبعد فترة طلب منها الزواج في حفل بسيط حضرته الأسرة وبعض الأصدقاء.
وافقت آنا والدموع في عينيها وقالت له إنها أحبته ليس لأنه أنقذها بل لأنه تغير بإرادته ولأنه أحب أبناءها كما لو كانوا أبناءه ولأنه عاملها بكل احترام.
تم الزواج في كنيسة صغيرة بحضور المقربين وكان ذلك بداية فصل جديد لهما جميعا
بيت مليء بالأطفال والضحكات وأم تتابع دراستها لتحقق حلمها وجدة تتلقى العلاج وتخبز الكعك وتزرع في الحديقة ورجل كان يعيش في قصر بارد تعلم أخيرا كيف يعيش في بيت دافئ.
بعد عامين كانت حياة الأسرة قد استقرت على إيقاع جديد
ميغيل في فريق كرة القدم المدرسي لا يفوت مارسيلو له مباراة
لوانا تتعلم الباليه وآنا باتت طالبة متفوقة في كلية التربية تحلم بفتح مدرسة مجتمعية في حيها القديم
والسيدة سليا بخير والبيت الجديد مليء بالألوان.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *