المليونير

لم تقل آنا شيئا واكتفت بالنظر إليه بعينيها المتعبتين الطيبتين.
أمضيت سنوات وأنا أؤمن بأن لكل إنسان ثمنا وأنه يكفي أن أجد ذلك الثمن لأرى حقيقته. وكنت مخطئا مخطئا جدا. لأنك أنت لم تريني كصاحب عمل فقط. رأيت في إنسانا قد يحتاج إلى من يحميه من تهاونه. وهذا
تنفس بعمق.
هذا هزني بطريقة لا أعرف كيف أصفها.
خفضت آنا بصرها وقالت بهدوء
يا سيد أنا فقط فعلت الصواب. الأمر ليس عظيما.
بل هو عظيم جدا. مهم للغاية.
مال مارسيلو إلى الأمام
أنا أعرف بعضا عن حياتك لا بشكل متطفل لكنني بحثت. أعرف عن طفليك وعن والدتك وأعرف أنك تستيقظين في الرابعة والنصف صباحا وتعودين في التاسعة ليلا وأعرف أنك تكافحين كل يوم لتحفظي الكرامة لأسرتك. ومع ذلك ومع 32 ألف ريال

أمامك لم تلمسيها. بل حميتني.
رفعت آنا عينيها وللمرة الأولى رأى فيهما شيئا مختلفا ليس غضبا ولا حقدا بل حزنا.
يا سيد أفهم أنك تريد مساعدتي وأنا أقدر ذلك حقا لكنني لا أحتاج إلى شفقة. أحتاج إلى عمل. أحتاج إلى كرامة. لا أريد أن أكون مشروع إحسان عند أحد.
شعر مارسيلو بانقباض في صدره.
أعلم يا آنا وأنا لا أريد مساعدتك من باب الشفقة.
أريد أحتاج أن أتغير ولا أعرف كيف أفعل ذلك وحدي.
قطبت آنا جبينها
تتغير في ماذا
في نفسي.
مرر يده على وجهه
تحولت إلى شخص قاس يا آنا. كنت أختبر الناس وكأنهم أشياء. أحكم وأدين. وأنت أريتني أن المشكلة لم تكن في العالم بل في أنا.
ساد صمت طويل وثقيل.
تنفست آنا بعمق وسألت
ماذا تريد مني يا سيد

نظر في عينيها وقال
أريد الصدق الذي منحتني إياه في ذلك اليوم دون أن تدري دون حساب فقط صدقا.
سكتت آنا لثوان طويلة ثم أومأت ببطء
حسنا لكنني أتابع عملي كما هو. لن أقبل بشيء لا أناله بعرق جبيني.
متفقون.
ابتسم مارسيلو لأول مرة منذ أيام
متفقون.
وفي تلك الغرفة الباردة بين مليونير مكسور من الداخل ومنظفة شديدة النزاهة ولد شيء نادر الاحترام.
مرت الأسابيع التالية مختلفة.
كانت آنا تأتي الخميس والجمعة تنظف البيت لكن الآن كان مارسيلو حاضرا دائما لا كمراقب بل كإنسان موجود. صارت بينهما أحاديث
في البداية قصيرة ثم أطول عن أطفالها عن طفولته عن أحلام قديمة عن جراح لا ترى.
حكت آنا عن اليوم الذي اكتشفت فيه حملها بميغيل. كانت في السادسة والعشرين. وعدها حبيبها بالزواج ثم اختفى بعد ثلاثة أشهر. بكت يومين ثم نهضت لأنها لم تكن تملك رفاهية الانهيار.
حكى هو عن أبيه الرجل القاسي رجل الأعمال الصارم الذي علمه ألا يثق بأحد والذي مات وحيدا في غرفة مستشفى تحيط به الأجهزة والممرضون دون أي صديق حقيقي إلى جانبه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *