العيلة اللي باعتني
حبيبة.
في جلسة النطق بالحكم على طارق، بص لي من مكانه.
كان شكله أكبر بكتير من آخر مرة شفته فيها.
حرّك شفايفه من غير صوت وقال
أنا آسف.
بعدت عيني عنه.
افتكرت الأخ اللي كان بيشيل حبيبة وهي صغيرة، وافتكرت المخيم الفاضي والبرد والخۏف.
الاتنين كانوا حقيقيين.
لكن الذكريات الحلوة مكنتش قادرة تمسح الچريمة اللي ارتكبها.
بعد شهور، ظهرت أمي بره مدرسة حبيبة، ومعاها كعكة ليمون.
شوفتها قبل ما بنتي تلاحظ وجودها.
ولما حبيبة لمحت جدتها قرب السور، وقفت وسألتني
يا ماما؟
قلت لها بهدوء
ادخلي جوه يا حبيبتي.
بصت لأمها وقالت
بس تيتا شكلها زعلان.
عارفة يا قلبي.
دخلت حبيبة المبنى، وأنا قربت من أمي.
قلت لها
إنتِ ممنوعة تكوني هنا.
مدت الكعكة ناحيتي.
كنت عايزة أجيب لحبيبة حاجة بتحبها.
إنتِ ممنوعة تتواصلي معاها أو تقربي منها.
عينيها اتمَلَت بالدموع.
أنا جدتها يا ليلى.
بصيت لها بهدوء.
وكنتي عارفة إنها نايمة جنبي لما كلكم هربتوا وسيبتونا.
نزلت عينيها.
مكنتش أعرف إنكم هتفضلوا هناك كل المدة دي.
قلت لها
وحبيبة مكنتش تعرف إنها هتقضي أيامًا في الجوع والبرد من غير ما تعرف إذا كانت هتشوف بيتها تاني.
بدأت ټعيط.
أنا كنت بحبك يا ليلى.
أخدت نفسًا عميقًا.
مصدقاكي.
بصت لي باستغراب، لأني كنت أقصد كلامي فعلًا.
أمي كانت بتحبني بطريقتها، لكن طول عمرها كانت بتختار تجنب الخلاف مع طارق على إنها تدافع عني وتحط حدودًا لتصرفاته.
والاتنين كانوا حقيقة.
قلت لها
تقدري تبعتي لي رسايل لو حبيتي. ممكن أقراها وممكن لأ، لكن متتوقعيش مني رد. ولما حبيبة تكبر، هي اللي هتقرر إذا كانت عايزة يكون ليها علاقة بيكي ولا لأ.
فضلت ترجاني أغير رأيي، لكني رفضت.
في الليلة دي، عيطت على أمي اللي خسرتها، مش لأنها عمرها ما حبتني، لكن لأن حبها مكنش كفاية يخليها تمنع نفسها من المشاركة في قرارات عرضت حياتي وحياة بنتي للخطړ.
الڤضيحة أثرت على الشركة.
خسرنا ثلاثة فروع، والصحفيون فضلوا فترة طويلة قدام المقر الرئيسي، والناس بقت تتكلم عن عيلتنا وعن اللي حصل.
لأشهر، مجرد اسم الشركة كان بيفكرني بخېانة طارق.
لكن الحياة رجعت تدريجيًا لطبيعتها.
الموظفون محتاجين رواتب، وماكينات القهوة بتتعطل، والموردون بيتأخروا، والزبائن بيشتكوا من جودة بعض المنتجات.
أنا ورؤوف شددنا الرقابة المالية، وراجعنا الحسابات، وأنشأنا صندوق طوارئ لمساعدة الموظفين وقت الأزمات.
كنت عايزة الشركة اللي بنيتها أنا وزياد تفضل موجودة، مش عشان الفلوس بس، لكن عشان كل الناس اللي اعتمدت عليها.
أما حبيبة، فبدأت تتعافى جسديًا، لكن صوت الرعد والمطر فضل يخوفها لفترة.
كانت بتحتفظ بأرنبها اللعبة تحت المخدة، وتتأكد من قفل الأبواب قبل النوم.
بدأنا نحضر جلسات مع أخصائية نفسية، عشان نتعامل مع اللي مرينا بيه.
في بعض الليالي، كانت حبيبة تحب تتكلم عن الجبال، وفي ليالٍ تانية كانت تفضل تاكل طبق مكرونة بالجبنة وتتفرج على برنامج بتحبه.
اتعلمت إني ماضغطش عليها عشان تنسى، وإن التعافي مش معناه إننا نتظاهر إن اللي حصل مكنش موجودًا.
زين، ابن طارق، راح يعيش مع أخت أمه. كان طفلًا ملوش ذنب في جرائم أبوه وأمه، فعشان كده رتبت إنه يقدر يشوف حبيبة من وقت للتاني بطريقة آمنة، وخصصت له مبلغًا لتعليمِه في المستقبل.
أمي فضلت تبعت لي رسايل. أحيانًا كنت بقراها، وأحيانًا كنت بسيبها مقفولة.
أما طارق، فبعت لي جوابًا طويلًا من السچن. اعتذر فيه، واتكلم عن ديونه وأيام طفولتنا، وفي النهاية كتب
عارف إنك لسه فاكرة إني أخوكي.
وكان عنده حق.
كنت فاكرة.
لكن التذكر مش معناه المسامحة، ولا معناه إن كل حاجة ممكن ترجع زي الأول.
.ومردتش عليه
النهاية.