أبويا بهدلني

وقف قدامي مباشرة، مد إيده بحنان غير معتاد منه، ومسح بإصبعه بهدوء على كتفي المبلول بمشروب العنب الأحمر.— صوتك كان فيه نبرة تعب، قالها بصوت هادي ودافئ وسط صمت القاعة المرعب، مكنش المفروض أسيبك تدخلي لوحدك من الأول. بصيت له وبابتسامة صغيرة قلت:— معليش، كنت حابة أتفرج على المسرحية للآخر.

ساعتها، دار ببطء ووجهه بقى في وش أبويا. الحارس الشخصي اللي كان واقف جنبه خطف خطوات لقدام وفتح تابلت صغير من إيده، وناوله لجوزي اللي أخده من غير ما يشيل عينه من على أبويا.— الحاج محمود السيد… صاحب شركات المقاولات اللي بتتكبد خساير بالملايين بقالها سنتين، صح؟

أبويا اتفاجئ وجسمه اتفض:— إنت… إنت تعرفني منين؟ وايه قلة الأدب دي؟ امنوا الزبالين دول يا جماعة!محدش من الـ 300 مدعو تحرك. الكل كان مسمّر في مكانه من هول الصدمة، عيونهم بتتنقل بيني وبين جوزي ورجالته. أمي جريت ناحيتنا وهي بتصرخ بصوت عالي:— إنت مين يا مجنون إنت؟

إزاي تكلمنا كده في فرح بنتي؟ وبعدين ياسمين دي أصلًا…قاطعها جوزي بنظرة حادة واحدة خلتها تسكت كأنها اتدبست في الأرض.— مراتك دي، اللي أنتوا كنتوا بتداسوا عليها وتستحقروها قدام الناس كلها، هي الوحيدة اللي كان ممكن بكلمة واحدة مني أخلي البنك اللي ممول شركات جوزك يقفل أقفاله النهاردة قبل بكره.

ساد صمت تام في القاعة، لدرجة إن صوت التكييف المركزي كان هو الصوت الوحيد المسموع. أختي سارة قامت من على ترابيزة العرسان، فستانها الأبيض بيترعش، وجوزها العريس وقف جنبها متردد ومش عارف يعمل إيه.— ياسمين… ياسمين بنتنا، قالت أمي وهي بتبتلع ريقها بصعوبة وشفايفها بتترعش، إحنا… إحنا كنا بنهزر معاها.

.. دي ضحكة عادية في فرح أختها…بصيت لأمي، وبنبرة باردة قلت:— الهزار لما يبقى مقصود ومرتب له مع عامل القاعة عشان يفضحني قدام الكل، ميبقاش هزار يا ماما… ده اسمه حقد. جوزي بص لواحد من رجاله اللي واقفين عند الباب، وقال بهدوء مخيف:— الكاميرات بتاعت القاعة تتسحب حالا، واللي دفع للعامل اللي كب العصير على مراتي، يتجاب بالاسم في خلال ساعة، والشركة المالكة للقاعة دي.

.. هتبقى ملكي قبل الصبح. مد إيده الكبيرة ومسك إيدي بحب، وقال بصوت سمعته الناس القريبة:— يلا يا ياسمين… مكانك مش هنا وسط ناس مش عارفين قيمتك. مشيت جنبه، وعيوني بصت لأبويا للمرة الأخيرة. كان واقف مكسور، عيونه تايهة، والكل حواليه بيبصوا له بنظرات شفقة واحتقار.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *