ابني عنده 9 سنين

الجزء الأول من 3
ابني لاحظ حاجة أنا كنت بتجاهلها من شهور
“بابا… ليه ماما بتعيط في العربية قبل ما تدخل البيت؟”
ابني آدم، اللي عنده تسع سنين، سألني السؤال ده وإحنا على الفطار، بنفس البراءة اللي ممكن يسأل بيها إذا كان فيه عصير برتقال زيادة.
أنا، كريم، وقفت مكاني، وكوباية القهوة كانت لسه في نص الطريق لبوقي.
بصيت له باستغراب.
“يعني إيه ماما بتعيط؟”
آدم هز كتفه، وفضل يحرك حبة توت في طبق الحبوب بالمعلقة.
“أنا بشوف العربية من شباك أوضتي. ساعات ماما بترجع وتقعد جوه العربية وقت طويل. بتحط إيديها على وشها… وبعدين بتغيّر التيشيرت قبل ما تدخل البيت.”
فضلت باصص له.
“بتغيّر هدومها في العربية؟”
هز راسه.
“مش كل يوم… بس كتير. هي عندها شنطة بتحطها في الكنبة اللي ورا.”
سكت.
ثواني طويلة عدّت وأنا مش عارف أقول إيه.
الليلة اللي فاتت، سارة كانت رجعت البيت بعد الساعة تمانية بشوية. باست آدم على جبينه، وسألته امتحان الإملاء بتاعه كان عامل إزاي، وبعدها طلعت فوق على طول عشان تاخد دش.
وأنا؟
ماكنتش واخد بالي أصلًا.
بقالى سنة تقريبًا وأنا شغال من البيت، وشغلي بالتدريج بدأ ياخد مساحة أكبر وأكبر.
في الأول اللابتوب كان على طرف السفرة.
بعدها بقيت أحط الملفات جنب الكنبة.
وبعدين بقيت آخد اللابتوب معايا للمطبخ.
مكالمات طول الصبح، إيميلات طول الظهر، وشغل متأخر لحد بالليل.
من غير ما أحس، الشغل ما احتلش البيت بس…
ده احتل دماغي واهتمامي كمان.
كل يوم كانت سارة تدخل من الباب وتقول:
“أنا رجعت.”
وأنا من غير ما أبعد عيني عن الشاشة، أرد:
“حمد لله على السلامة… يومك كان عامل إيه؟”
فتقول:
“طويل.”
وخلاص.
كنت بسمع الكلمة وأنساها.
وفي نص كلامها، غالبًا كنت بكون رجعت أبص على شاشة اللابتوب تاني.
لكن سؤال آدم الصغير خلاني لأول مرة أدرك حاجة مرعبة:
أنا بقالى شهور عايش مع مراتي، ومش عارف هي بتعيش إيه بره البيت.
الست اللي بتقعد لوحدها في العربية
تاني يوم بعد الظهر، سمعت عربية سارة وهي داخلة الجراج.
بصيت في الساعة.
6:47 مساءً.
المرة دي، ما رجعتش للابتوب.
مشيت بهدوء ناحية شباك الصالة.
سارة ركنت العربية تحت شجرة القيقب.
لكنها ما نزلتش.
دقيقة عدت.
وبعدها دقيقة تانية.
كنت شايف ظلها من خلال إزاز العربية.
فجأة، نزلت راسها ناحية الدركسيون.
كتافها بدأت تتحرك.
قلبي دق بسرعة.
آدم كان عنده حق.
ماما كانت بتعيط.
بس دي ما كانتش دمعة واحدة بسبب يوم وحش.
دي كانت واحدة بتعيط في صمت، بملامح وكتاف شخص فضل ماسك نفسه بالعافية لساعات.
وبعدين مدّت إيدها للكنبة اللي ورا، وسحبت شنطة قماش.
فضلت أراقبها وأنا مش قادر أتحرك.
فتحت الشنطة، وطلعت منها بلوزة نظيفة.
وبعدين…
غيّرت هدومها جوه العربية.
حطت البلوزة اللي كانت لابساها في الشنطة، ولبست واحدة تانية.
وبعدها فضلت قاعدة حوالي نص دقيقة، وبصت لنفسها في المراية.
أنا بعدت عن الشباك بسرعة قبل ما ترفع عينيها وتشوفني.
بعد كام دقيقة، سارة دخلت البيت.
كنت رجعت أقعد قدام اللابتوب كأني ما شوفتش حاجة.
قالت:
“هاي.”
رديت:
“هاي.”
قربت وباستني على خدي.
بصيت لها وسألت:
“كل حاجة كويسة؟”
ابتسمت نفس الابتسامة الهادية اللي بقالها شهور بتداري بيها أي حاجة.
“طبعًا. يوم مجنون بس.”
هزيت راسي.
“آه.”
لكن جوايا…
لأول مرة ما صدقتهاش.
الشنطة اللي كانت مخبياها تحت الكرسي
تاني يوم الصبح، سارة كانت فوق بتجهز نفسها.
وأنا نزلت بهدوء وخرجت ناحية العربية.
كنت عارف إني بتخطى حدودي.
وعارف إن اللي بعمله غلط.
لكن فضولي وخوفي كانوا أقوى مني.
فتحت العربية.
ولقيت الشنطة القماش تحت كرسي الراكب.
فتحتها.
جواها كان فيه بلوزتين، كارديجان قديم، بنطلون مريح، جوانتيات للاستخدام مرة واحدة، مناديل مبللة، وكام فوطة صغيرة متنية بعناية.
لكن أكتر حاجة لفتت انتباهي كانت ريحة الهدوم.
كانت خليط غريب.
مسحوق غسيل…
مطهّر…
ريحة أكل مطبوخ…
وحاجة شبه ريحة أدوية.
لكن تحت كل ده كانت فيه ريحة برفان قوية جدًا، برائحة زهور واضحة.
أنا أعرف سارة كويس.
البرفان ده عمرها ما لبسته.
قلبت في الشنطة أكتر، لحد ما لقيت زجاجة صغيرة.
قريت الاسم:
“ليلك الحديقة”.
برفان رخيص، ريحته حلوة زيادة عن اللزوم…
ومختلف تمامًا عن ذوق سارة.
بدأ عقلي يملأ الفراغات بتفسيرات ما كنتش عايز حتى أفكر فيها.
لكن اللي حصل بعد كده كان أسوأ.
حاجات صغيرة بدأت تكشف السر
خلال الأيام اللي بعدها، بقيت ألاحظ كل حاجة.
سارة كانت بتخرج من البيت بدري عن معادها.
وأحيانًا كانت بتتأخر ساعتين كاملين.
بقت ترد على مكالمات وهي واقفة بره البيت.
واسم واحدة اسمها “جانيت ر.” بدأ يظهر كتير في سجل مكالماتها.
وفي يوم، وأنا شايل شنطتها، لاحظت شوية ورق مكتوب بإيدها ومحطوط في الجيب الجانبي.
كان مكتوب:
“دواء الصبح.”
“اتأكدي إن الباب الرئيسي مقفول.”
“سيبي العشا متعلّم عليه.”
“غيري الملايات الخميس.”
“اطفي الأجهزة قبل ما تمشي.”
وقفت عند آخر سطر.
كل ده معناه إيه؟
مين الشخص اللي سارة بتعمل عشانه كل الحاجات دي؟
وليه ما قالتليش؟
وبعدين لقيت اسم واحد من الأدوية المكتوبة في الورقة.
دورت عليه.
واتفاجئت إنه دواء بيتوصف غالبًا لمشاكل شديدة في الذاكرة.
وقتها حسيت إن الصورة بقت أغرب بدل ما تكون أوضح.
مين اللي سارة بتعتني بيه؟
وليه مخبية الموضوع عني؟
اليوم اللي قررت أمشي وراها
بعد يومين، أخدت قرار أنا نفسي ما كنتش فخور بيه.
مشيت ورا سارة.
بعد ما خرجت من البيت، فضلت ماشي ورا عربيتها من بعيد.
كنت متوقع إنها هتروح مكتب التأمين اللي بتشتغل فيه.
لكنها ما راحتش هناك.
لفت ناحية الجنوب الشرقي، ودخلت منطقة قديمة على أطراف أسيوط.
وبعدين وقفت قدام عمارة قديمة من الطوب الأحمر، مكوّنة من تلات أدوار.
أنا وقفت بعيد عنها بنص شارع.
سارة نزلت من العربية، وفتحت الشنطة الخلفية.
طلعت كذا كيس بقالة.
ودخلت العمارة.
فضلت مستني.
ساعة وثلاثة عشر دقيقة.
وبعدين ظهرت تاني.
لكن شكلها كان مختلف.
كانت مرهقة جدًا.
شعرها كان مربوط بطريقة مختلفة.
وكانت لابسة بلوزة تانية.
وقبل ما تتحرك بالعربية، قعدت جوه شوية.
وبعدين طلعت زجاجة البرفان من شنطتها…
ورشّت منه على هدومها.
حسيت بقشعريرة.
كل حاجة كانت سرية.
كل حاجة كانت مترتبة بعناية.
وكل حاجة كانت بتقول إن سارة بتخبي عني حياة كاملة.
المواجهة
لما رجعت البيت بالليل، كنت مستنيها على ترابيزة المطبخ.
من غير لابتوب.
من غير شغل.
ولأول مرة من شهور…
كنت مستني مراتي.
دخلت سارة المطبخ، وأول ما شافتني وقفت مكانها.
قالت باستغراب:
“خضتني… إنت قاعد في الضلمة ليه؟”
بصيت لها مباشرة.
وقلت:
“أنا مشيت وراكي النهارده.”
الابتسامة اختفت من وشها فورًا.
كملت:
“أنا عرفت موضوع الشقة.”
سكتت.
“وعرفت الهدوم… والبرفان… والمكالمات… والأدوية.”
وبعدين قربت منها شوية.
“عايزك تقوليلي… مين اللي عايش هناك؟”
سارة فضلت ساكتة.
كنت متوقع إنها تتعصب.
تكدب.
تنهار.
يمكن حتى تعيط.
لكنها عملت حاجة ما توقعتهاش خالص.
مدّت إيدها ناحية مفاتيح العربية اللي كانت حطاها على الرخامة.
وقالت بهدوء:
“تعالى معايا.”
رمشت باستغراب.
“فين؟”
بصتلي في عيني وقالت:
“للمكان اللي إنت قررت تبني عنه حكايات في دماغك.”
فتحت باب البيت.
وبعدين بصت وراها وقالت:
“أول ما تشوفه… هتفهم ليه بغيّر هدومي قبل ما أرجع البيت.”
الست اللي ورا باب الشقة
العمارة كانت باينة أقدم بالليل.
سارة طلعت السلم للدور التاني.
وقفت قدام شقة رقم 2B.
قبل ما تفتح الباب، لفت ناحيتي وقالت:
“في أيام بتكون عارفة أنا مين بالظبط.”
استغربت.
“وفي أيام تانية… ما بتعرفنيش.”
وبعدين كملت:
“ولو اتلخبطت، ياريت ما تضغطش عليها بأسئلة كتير.”
بصيت لها بحيرة.
“إنتِ بتتكلمي عن مين؟”
سارة ما ردتش.
طلعت المفتاح وفتحته.
وبعد ثواني قليلة…
ظهرت قدامنا ست عجوز، شعرها أبيض فضي، وملامحها هادية.
أول ما شافت سارة، وشها نور.
وقالت بصوت ضعيف:
“سوسو؟”
ملامح سارة اتغيرت بالكامل.
كل القسوة والإرهاق اللي كانوا باينين عليها طول الأيام اللي فاتت اختفوا للحظة.
ابتسمت بحنان وقالت:
“أه يا ماما… أنا جيت.”
وقتها حسيت كأن حد سحب الهوا من حواليا.
ماما؟!
بصيت للست العجوز…
وبعدين بصيت لسارة.
كانت دي…
أمها.
اسمها نوال مراد.
لكن وجودها هنا ما جاوبش على أسئلتي…
بالعكس.
فتح قدامي أسئلة أخطر بكتير.
ليه سارة كانت بتخبي عني وجود أمها؟
ليه أمها عايشة لوحدها في شقة سرية؟
مين اللي كانت بتعتني بيه كل الأيام دي؟
وليه كانت بتغير هدومها وتحط البرفان قبل ما تدخل بيتنا؟
وأهم سؤال…
إيه السر اللي كانت سارة بتحاول تحميني منه؟
لأن اللي ما كنتش أعرفه وقتها…
إن الست اللي واقفة قدامي ما كانتش مجرد أم مريضة محتاجة رعاية.
كانت مفتاح سر عائلي قديم…
سر مدفون بقاله أكتر من أربعين سنة.
الجزء التاني

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *