تعب ابني

حماتي اتهمتني اني مدلعة إبني لمجرد إنه عنده حساسية وبعمله أكل مخصوص ليه وللأسف ملت دماغي جوزي وإنه لازم يتعود ياكل كل حاجة ولما حاولت أفهمها متقبلتش وعملت زعلانه انى عليت صوتي وساعتها جوزي من غير ما يفهم طلب إني أعتذر لمامته.
في اللحظة اللي جوزي وقف قدامي وقال لي:
— “اعتذري لأمي… يا إما تلمي حاجتك وتمشي من هنا.”
ابني الصغير، اللي ما كانش عنده غير تلات سنين، وقف عن اللعب وبص لي بخوف.
نظرة عينيه وقتها كانت كفاية إنها تغيّر حاجة جوايا للأبد.
حاجة باردة…
وحاسمة.
في اللحظة دي، عرفت إن السنين اللي قضيتها وأنا ساكتة، وبحاول أحافظ على بيتي بأي تمن…
انتهت.
كان اسمـي نورهان مراد السعدني.
ولأكتر من أربع سنين، عيلة جوزي كلها كانت عايشة وهي فاكرة إني معتمدة عليه في كل حاجة.
الفلوس؟
منه.
البيت؟
بتاعه.
العربيات؟
بتاعته.
ومستقبلي كله؟
في إيده.
على الأقل…
ده كان اللي هو مخليهم يصدقوه.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
وهم ما كانوش يعرفوا الحقيقة دي…
لحد اليوم اللي جوزي بنفسه قرر يطلب مني أخرج من حياته.
اليوم اللي كل حاجة انفجرت فيه
كنا في عزومة كبيرة في بيت عيلة جوزي الفخم، في منطقة راقية مليانة بيوت ضخمة وحدايق واسعة.
كان فيه كل أفراد العيلة تقريبًا.
حماتي سهام.
أخت جوزي ريم.
أخوه حسام.
وأقارب كتير.
وكل حاجة كانت ماشية بشكل مثالي…
من وجهة نظرهم.
أكل فاخر.
موسيقى هادية.
مشروبات على الترابيزات.
وضَحكات مالهاش آخر.
لكن حماتي كانت طول اليوم مركزة معايا أنا.
مش عاجبها الفستان اللي لابساه.
مش عاجبها الأكل اللي حضرته لابني.
مش عاجبها طريقة ردي على أسئلتها.
حتى لما رفضت أشرب كوب تاني، بصت لي باستغراب كأني عملت جري\مة.
لكن المشكلة الحقيقية كانت في ابني ياسين.
ياسين عنده تلات سنين، وعنده حساسية شديدة من أكتر من نوع أكل.
وعشان كده، كنت دايمًا حريصة جدًا على أكله.
قبل العزومة، طلبت من حماتي أكتر من مرة تتأكد إن المطعم اللي هيجيب الأكل يقدر يوفر وجبة آمنة لياسين.
لكنها رفضت وقالت إن الموضوع مبالغ فيه.
فعملت الحاجة الطبيعية…
حضرت له أكله بنفسي وخدته معايا.
وفجأة، وأنا قاعدة، سمعت صوت حماتي عالي قدام الكل:
— “الأطفال محتاجين تربية وانضباط… مش أمهات كل شوية تعمل لهم معاملة خاصة عشان شوية شكاوى.”
ناس كتير بصت ناحيتي.
أنا بهدوء حطيت الكوباية اللي في إيدي على الترابيزة.
وقلت:
— “ياسين عنده حساسية مثبتة طبيًا، وأنا جبت له أكل مخصوص لأن حضرتك رفضتي تتأكدي إن الأكل هنا مناسب له.”
حماتي ابتسمت ابتسامة مستفزة.
— “كل حاجة عندك لازم تبقى دراما.”
أخت جوزي ريم ضحكت.
وقالت:
— “دي بتتصرف كأن القصر كله بتاعها.”
ضحكات خفيفة خرجت من كذا حد.
أنا ما رديتش.
لكن ياسين قرب مني.
ومسك في رجلي.
وبص لي ببراءة وقال:
— “ماما… هما زعلانين منك؟”
نزلت لمستواه ولمست خده.
وقلت:
— “لا يا حبيبي… هما بس اختاروا إنهم يكونوا مش لطاف.”
حماتي اتغير وشها فورًا.
— “إنتِ بتتكلمي عني كده قدام حفيدي؟!”
بصيت لها.
— “حضرتك اللي أهنتي أمه وهو سامعك.”
وهنا…
دخل جوزي عمر.
كنت مستنياه يتدخل.
بل بصراحة…
كنت مستنياه يقف جنبي.
كنت فاكرة إنه، مهما حصل بينا، مستحيل يسمح لحد يهينني قدام ابني.
لكن اللي حصل كان العكس تمامًا.
قرب مني، ومسك إيدي من عند معصمي، وقال بصوت واطي لكنه حاسم:
— “اعتذري لأمي.”
بصيت له ومش مصدقة.
— “عمر…”
قاطعني:
— “إما تعتذري لها، يا إما تلمي حاجتك وتمشي من حياتي.”
وفجأة…
المكان كله سكت.
حماتي رفعت دقنها بابتسامة رضا.
ريم شبكت إيديها قدام صدرها.
وحسام خبّى ابتسامته وهو بيشرب.
كانوا كلهم فاكرين إن اللحظة دي هي اللحظة اللي عمر هيفكرني فيها:
مين صاحب الفلوس… ومين صاحب البيت.
مين المتحكم.
ومين اللي لازم يخاف.
لكن عمر كان غلطان في حاجة واحدة…
هو ما كانش يعرف مين اللي واقف قدامه.
بصيت في عينيه كويس.
ما كانش فيه تردد.
ولا حتى ذرة ندم.
كان متأكد إن التهديد هيخليني أرجع خطوة.
فقلت بهدوء:
— “تمام.”
وشه ارتاح.
وأضاف:
— “يعني هتعتذري؟”
هزيت راسي.
— “لأ… أنا همشي.”
الراحة اللي ظهرت على وشه اختفت للحظة.
وبعدين حاول يخبيها.
وقال:
— “كويس. يمكن كام ليلة صعبة يعلموكي قيمة العيلة دي وكل اللي قدمناه لك.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
لو كان يعرف الحقيقة… ما كانش قال الجملة دي.
شلت ياسين، ومشيت ناحية العربية.
حماتي لحقتني لحد باب البيت.
ولما شافتني بفتح العربية السوداء الفاخرة، صرخت:
— “سيبي العربية هنا! دي بتاعة عمر!”
ثبتت ياسين في كرسيه، وقفلت الباب، وبعدين بصيت لها.
وراءها كان البيت الكبير ظاهر بكل فخامته.
الواجهة الحجرية.
الحدايق المرتبة.
البيت الزجاجي القديم اللي كانت العيلة بتتباهى بيه.
المكان اللي كانوا فاكرين إنه دليل على قوتهم.
بصيت لحماتي وقلت:
— “لأ… العربية دي مش بتاعة عمر.”
سكتت.
كملت:
— “دي بتاعتي.”
وشها اتجمد.
لكنها ما كانتش تعرف إن العربية دي…
كانت مجرد أصغر حاجة من الحاجات اللي عمر وعيلته ما يعرفوش عنها حاجة.
ركبت العربية.
ودست بنزين.
خرجت من البوابة الحديدية وأنا سامعة عمر بينادي باسمي من ورايا.
لكن المرة دي…
ما بصتش ورايا.
المكالمة اللي قلبت كل حاجة
كنت لسه خارجة من المنطقة، وياسين قاعد ورايا ساكت، لما تليفوني رن.
رقم مش مسجل.
في البداية ما كنتش ناوية أرد.
لكن إحساسي خلاني أضغط على زر الإجابة.
— “ألو؟”
جالي صوت راجل هادي ورسمي:
— “مساء الخير، مدام نورهان؟ أنا الأستاذ فؤاد، مدير البنك والمسؤول عن الحسابات الاستثمارية الخاصة بعائلة السعدني.”
سكت.
وقلت:
— “أيوه… خير؟”
قال:
— “حصل تطور مهم بخصوص الضمان المالي اللي كان بيسمح للسيد عمر بالاستمرار في بعض التسهيلات الائتمانية.”
اتوترت.
— “إيه اللي حصل؟”
سكت ثواني، وبعدين قال:
— “الضامن قرر يسحب دعمه بالكامل.”
ضحكت ضحكة قصيرة من غير ما أقصد.
— “الضامن؟”
— “أيوه.”
بصيت قدامي على الطريق.
كنت عارفة إن عمر هيبدأ يكتشف الحقيقة قريب.
لكن اللي حصل بعد كده كان أغرب.
فؤاد سألني:
— “فيه سؤال واحد بس، لو سمحتي.”
— “اتفضل.”
قال:
— “السيد عمر بيحاول يعرف مين صاحب شركة ميرسر فيلد كابيتال… لأن بعد انسحاب الضمان، كل الناس بدأت تسأل عن المالك الحقيقي.”
ابتسمت.
ولأول مرة من يوم العزومة…
حسيت إني مش محتاجة أخبي أي حاجة.
قلت له:
— “قول له الحقيقة.”
— “أي حقيقة تحديدًا؟”
بصيت في المراية على ياسين.
كان بيلعب بلعبته الصغيرة ومش فاهم أي حاجة من اللي بيحصل.
وبعدين قلت:
— “ميرسر فيلد كابيتال… بتاعتي أنا.”
سكت الطرف التاني.
وبعدين قال فؤاد بنبرة مختلفة:
— “كنت متوقع إن ده يكون رد حضرتك.”
قفلت المكالمة.
لكن بعدها بدقائق…
تليفوني بدأ يرن بشكل متواصل.
عمر.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
وبعدين رسالة.
“نورهان، لازم نتكلم فورًا.”
بصيت للرسالة…
وابتسمت.
من كام دقيقة بس، كان بيقولي:
“إنتِ اللي هتمشي من حياتي.”
دلوقتي…
هو نفسه كان بيحاول يعرف:
الحياة اللي كان فاكر إنه بيملكها… كانت ملك مين أصلًا؟
وأنا كنت عارفة إن اللي حصل في العزومة النهارده…
ما كانش النهاية.
ده كان مجرد أول فصل في الحقيقة اللي أخفيتها عنهم أربع سنين.
الجزء الثاني: الحياة اللي خبّيتها عشان أحمي كبرياء جوزي

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *