الجزء الأول إحنا هنا مابنستقبلش ناس شكلها جاي يشحت ولا يستلف في المترو! قالتها شيرين بصوت عالٍ ومسموع للكل. الراجل اللي كان لسه داخل وقف مكانه جنة الباب الزجاجي لمحل الساعات الفخم في شارع 26 يوليو بالزمالك. كان لابس تيشرت رمادي باهت من كتر الغسيل، وبنطلون جينز دايب، وجزمة قديمة تخلي أي حد يشوفه يفتكر إنه أخطأ العنوان. بس هو مكنش غلطان في العنوان ولا حاجة. الراجل ده كان ماهر العطار، صاحب مجموعة العطار، واحدة من أرقى وأغلى ماركات الساعات المصرية في البلد. بس محدش في الفرع ده كان يعرفه. بعد ما تعب من الاجتماعات اللي كلها ابتسامات مزيفة، والموظفين اللي بيمجدوا فيه خوفًا منه، والتقارير الفاخرة اللي ريحتها كذب، قرر يدخل المحل وهو متخفي في شكل إنسان غير مرئي. كان عايز يعرف الناس بتتعامل ازاي مع الشخص لما يفتكروا إنه جيبه فاضي. شيرين، أزيد بياعة متكبرة في المكان، بصتله من فوق لتحت وكأن جزمته وثقت الرخام الإيطالي لمجرد إنه داس عليه. لو جاي تسأل عن الأسعار، فبقولك من دلوقتي كل حاجة هنا غالية جدًا عليك. من ورا الفترينا التانية، رفعت رضوى عينيها. بنت عندها 27 سنة، رابطة شعرها بتوتة بسيطة، وفيا هدوء مابيتعلمش في كورس مبيعات. سابت الفوطة اللي بتلمع بيها ساعة قيمة من التشكيلة، ومشت ناحيته. مساء الخير يا فندم، أهلاً بك. تحب تشوف موديل معين؟ ماهر شاور على ساعة إطارها روز جولد واستكها أسود. دي شكلها لافت ومميز. شيرين أطلقت ضحكة مليانة تريقة دي تمنها أغلى من عربيتك.. ده لو عندك عربية اصلاً! رضوى تجاهلتها تمامًا. لبست القفازات البيضاء، فتحت الفترينا، وبدأت تشرحله الميكانيزم بتاع الساعة، والتصميم المستوحى من العمارة الخديوية في وسط البلد، وإنه إصدار محدود من 80 قطعة بس، والجهد اليدوي اللي اتعمل في كل تفصيلة فيها. لمدة 20 دقيقة، اتعاملت معاه وكأنه أهم زبون دخل المحل النهاردة. ماهر كان بيبصلها في صمت. مكنش في عينيها أي شفقة، ولا اهتمام مزيف. كان فيه بس احترام. هاخدها، قالها ماهر في الآخر. شيرين قربت بسرعة وعينيها متوسعة أفندم؟ قلت إيه؟ ماهر حط إيده في جيبه اللي ورا.. وبعدين جيبه القدامي.. وبعدين جيب القميص. كشر وقال مش معقول.. أظن إني ضيعت محفظتي! السكون نزل على المكان زي الجبل. شيرين انفجرت في الضحك كنت عارفة! شفتي يا رضوى؟ أدي آخرة اللي تعمل فيها ملاك ورحيمة بالفقراء! الراجل ده جاي يضيع وقتنا وخلاص. رضوى أخدت نفس عميق شيرين، خلاص بقى! ده زبون. زبون؟ شيرين تفكها بقرف ده واحد شحات! وأنتِ بتبصي له وبتدافعي عنه عشان شبهك، صح؟ ما أنتِ كمان جاية من القاع، من الحواري اللي فاكرين فيها إن الأدب بيديكم حق تدخلوا أي مكان! وش رضوى اتغير وجمد، بس مانزلتش عينيها أيوه، أنا جاية من تحت. أمي كانت بتبيع طعمية وراء محطة مترو الشهداء، وأبويا سابلي ديون بدل ما يسيبلي اسم. بس أنا بشتغل وبدرس وبتعامل مع الناس بأصل. اليونيفرم ده عشان نخدم بيه الناس، مش عشان نهينهم بيه. شوية زباين كبار اتلفتوا يبصوا. وش شيرين أحمرّ من الأحراج. ماهر حس بضربة في قلبه. محدش دافع عنه بالطريقة دي قبل كده وهو فاكر إنه فقير.. محدش أبداً. رضوى اتلفتت له متشيلش هم الساعة يا فندم. المهم نلاقي محفظتك. كان فيها البطاقة وكروت ومستندات مهمة؟ أيوه، ماهر تمتم. يبقى تعال ندور عليها، يمكن وقعت منك على الرصيف بره. ومن غير ما تستنى أي مقابل، استأذنت من المدير، جابت جاكيتها ونزلت معاه الشارع. مشوا في الشارع، دوروا جنب الشجر، تحت الدكك، وحتى جنب البلاعات. الشمس كانت بتبدأ تغرب والجو ريحته مطر وعوادم ومياه شجر الفيكس. رضوى وِطت على الأرض من غير ما تهتم إن بنطلونها الأسود يترب. فتحت كشاف الموبايل وبقت تدور وسط الورق الناشف. حضرتك مش ملزمة تعملي كل ده، قال ماهر، وهو حاسس بذنب بياكل في قلبه. لا طبعاً ملزمة. ضياع الأوراق في مصر ده موال ودوخة. الفلوس بتروح وتيجي، بس إنك تطلع أوراقك تاني دي شغلانة سودا. ماهر بص لإيديه المتربة. الموضوع مابقاش مجرد اختبار.. بقى قسوة منه. تمشى ناحية العربية القديمة اللي كان مأجرها عشان حبكة التنكر، فتح الباب وعمل نفسه بيدور تحت الكرسي. أهي لقيته هنا! قال وهو بيرفع المحفظة يا كسوفي.. كانت واقعة جوة العربية. رضوى طلعت زفير طويل وبعدين ضحكت بتعب يا ساتر يا رب! ده أنا كنت خلاص هطب في البلاعة عشان أدوّرهالك! ماهر ابتسم، بس فيه حاجة جواه اتكسرت. اعزمك على العشا تعويضاً عن التعب ده؟ شكراً لحضرتك، ملوش لزمة. بس خايف على حاجتك بعد كده. رجعت رضوى المحل وقميصها متوسخ حاجة بسيطة، بس رأسها مرفوعة. في الليلة دي، وفي فيلته الكبيرة في التجمع الخامس، فتح ماهر الملف الوظيفي بتاع رضوى رمضان. الأم متوفية. الأب هارب ومختفي. الجامعة بدأتها متأخر. التقدير ممتاز. علاقات أو واسطة لا يوجد. ماهر قفل الملف وهو حاسس بالخزي. كان فاكر إنه بيمتحن قلب موظفة، وهو مايعرفش إنها بقالها سنين عايشة بقلب متكسر ومتحمل. وفي اليوم اللي بعده، أول ما شيرين شافت رضوى داخلة المحل، ابتسمت ببيئة وشماتة تجمد الدم في العروق. ومحدش كان متوقع اللي هيحصل الجزء الثاني شوفوا مين جه! بطلة الغلابة والمساكين! قالتها شيرين قدام الكل إيه، الشحات طلب إيدك ولا إداكي بقشيش فكة؟ مريم، بياعة تانية، حطت إيدها على بقها عشان تداري الضحكة. المدير عمل نفسه مشغول بيبص في لمحة نيوز الأوراق. رضوى كانت بترتب العلب ورا الفترينا وفضّلت تسكت. بس شيرين مكنتش عايزة سكوت.. كانت عايزة تشوفها مكسورة. انزلي لمعي الفترينا بتاعتي كمان، أؤمرتها شيرين أصلك أمس اتعودتي على التربيط والزبالة، فغالباً شاطرة في الحاجات دي. رضوى ضغطت على شفايفها. هي محتاجة الشغلانة دي. بتدفع منها إيجار أوضة في حارة بباب الشعرية، وأقساط الجامعة التأخير، ومصاريف علاج الحجة فاطمة، جارتها اللي ربتها زي بنتها بعد وفاة أمها. فمسحت ولمعت. لمعت وشيرين بترماديلها علب زيادة. لمعت والمدير عامل نفسه أعمى. لمعت وناس من الزباين بيبصولها بضيق، بس محدش اتكلم. وهي طالعة بالليل، شافت ماهر وافق ومستند على عربية بسيطة. المرادي كان لابس قميص أزرق نضيف وشعره متظبط. رضوى. هي اتفاجئت حضرتك عرفت اسمي منين؟ ماهر شاور على الكارنيه بتاعها صعب حد مياخدش باله منه. رضوى ضحكت ضحكة قصيرة، دي كانت أول ضحكة ليها طول اليوم صح.. نسيت أخلعه. طلّع ماهر علبة صغيرة كنت عايز أشتري ساعة لحد عزيز عليا، بس مش من محل بيعامل الناس بالقرف لو سألوا عن السعر. تعرفي مكان كويس؟ رضوى اترددت، وبعدين أخدته لمحل ساعات أصغر وأبسط جنب وسط البلد. مشوا مع بعض بيتكلموا في حاجات بسيطة الطعمية، الزحمة، المطر، الإيجارات الموال، وأد إيه عيشة القاهرة غريبة لما كل حاجة تاخد 40 دقيقة حتى لو قريبة. ماهر كان باين عليه الارتباك، بس كان مركز ومستمع جداً. ده خلى رضوى تطمن وتفك شوية. في المحل، اختار ساعة استيل صغيرة. دي لخطيبتك؟ سألته بتهريج. لا، لولد عنده 12 سنة، رد ماهر عايش في دار أيتام في السيدة زينب. النهاردة عيد ميلاده. رضوى ابتسامتها اختفت هو حضرتك بتساعد هناك؟ ساعات. مقالش أكتر من كده، بس نظرة عينيه اتغيرت. ورضوى كانت عارفة السكوت ده كويس.. ده سكوت حد فقد حاجات كتير. في الليلة دي، ماهر بعتلها رسالة هي شيرين ضايقتك تاني؟ رضوى قريت الرسالة وهي قاعدة في أوضتها الصغيرة جنب طبق كشري أنا كويسة، متقلقش. الناس بتتكلم عشان بتعرف تتكلم، وأنا بشتغل عشان محتاجة. ماهر عصر الموبايل في إيده بغضب. في مكتبه الخاص، فتح كاميرات المراقبة بتاعة الفرع. شاف شيرين وهي بتتريق على رضوى. شاف المدير وهو سكت ومطنش. شاف عمولات ملعوب فيها، وزباين بيتهانوا عشان شكلهم مش مقتدر، وثقافة زبالة ورا فترينات بتلمع. سجّل الفيديوهات دي عنده. نسيوا مين اللي بيمضي شيكات أجورهم، تمتم لنفسه. يوم الأحد، رضوى راحت دار الأيتام في السيدة زينب ومعاها كراسات وألوان للأطفال. أول ما دخلت الجنينة، اتسمرت مكانها. ماهر كان قاعد على دكة، بيكلم ولد شعره منكوش. وفي إيد الولد كانت بتلمع الساعة اللي اشتروها سوا. ماهر؟ هو قام، وكان متفاجئ بجد رضوى.. مكنتش اعرف إنك بتيجي هنا. قعدت جنبه أنا كبرت وأنا باجي المكان ده.. لما أمي تعبت، الراهبات والجمعية هنا كانوا بياكلونا. ماهر نزل عينه في الأرض أنا اتربيت هنا. رضوى بصتله بذهول. أبويا وأمي ماتوا وأنا عندي 10 سنين، قال ماهر جدي طلعني من هنا بعدين، بس هو كمان مات. الدار دي كانت الحاجة الوحيدة اللي شبه العيلة في حياتي. رضوى حسّت بحاجة بتدوب جواها. أنا أبويا مماتش، هي همست ساعات كنت بمنى لو كان مات.. كان بيشرب وبيلعب قمار ويضرب الحيطان عشان يخوف أمي. لما دخلت الجامعة اضطريت أسيبها عشان أشتغل. وأمي ماتت وسابتلي مصاريف مستشفيات.. من ساعتها اتعلمت إن محدش بيجي ينقذ حد. ماهر كان عايز يمسك إيدها، بس ماجتلهوش الجرأة. مسحت رضوى دمعة نزلت بسرعة، وكأنها زعلانة إنها سابت الدمعة دي تطلع. بس أدينا عايشين ومكملين، صح؟ وبعدين جرت مع البنات عشان تعلمهم يعملوا ورد بالورق. ماهر كان بيبصلها وقلبه مقبوض. الموضوع مابقاش مجرد فضول، ولا ذنب.. هو كان بيحبها. بس فهم حاجة مرعبة كل ما كان بيحبها أكتر، كل ما كانت كذبته ملهاش أي مبرر. يوم الاثنين قرر يكشف الحقيقة. المحل كان زحمة لما دخل ماهر العطار وهو لابس بدلة رمادي غمقة متفصلة عمومي. صوت جزمته اللي بتلمع على الرخام كان فيه ثقة مختلفة تماماً عن الراجل بتاع التيشرت المغسول. شيرين شافته الأول أنت تاني؟ قالتها بقرف إيه، استسلفت هدوم المرة دي؟ ماهر مبصلهاش أصلاً. مشى لحد وسط المحل، طلع دوسيه أسود، وتكلم بصوت هز الفرع والمدير نفسه مساء الخير. أنا ماهر العطار، رئيس مجلس إدارة وصاحب مجموعة العطار. الهوا اتقطع في المكان. شيرين وشها جاب ألوان واصفرت. مريم نزلت عينيها في الأرض. المدير حس إن ياقت القميص بتخنقه. رضوى وقعت الفوطة من إيدها على الأرض. ماهر؟ همست. هو بص لها بفخر وخوف في نفس الوقت أنا دخلت الفرع ده وأنا متخفي في شكل راجل بسيط عشان اعرف بتتعاملوا ازاي مع الناس لما تفتكروا إنهم معهمش فلوس. لقيت تكبر وقرف من ناس المفروض تخدم، ولقيت أصل وكرامة من إنسانة عمرها ما احتاجت تتصنع. فتح الدوسيه معايا فيديوهات تفصيلية للتنمر، والتمييز، والتعسف، واللعب في العمولات. شيرين، أنتِ مطرودة. مريم، الموارد البشرية هتحقق معاكي. وحضرتك، قال للمدير موقوف عن العمل فوراً. شيرين بدأت تعيط يا ماهر بيه، أنا مكنتش اعرف إنه حضرتك! دي المصيبة، رد ماهر مكنش لازم أكون أنا عشان أستحق الاحترام. وبعدين اتلفت لرضوى رضوى رمضان هتترقى من النهاردة ل مستشارة مبيعات كبار العملاء، مرتبك هيتضاعف 3 مرات، وهتكفّل بكل مصاريف جامعتك لحد ما تتخرجي. كان مستنيشوفها فرحانة.. كان مستني يلمح راحة، ولا امتنان، ولا ابتسامة. بس رضوى كانت وشها شاحب. هو كل ده كان مجرد امتحان؟ سألته. ماهر ابتسامته اختفت مش بالظبط.. أنا كنت عايز اعرف الحقيقة. حقيقتي أنا ولا سلطتك أنت؟ قالتها بصوت مكسور أنت شفتني وأنا بدوّر معاك في الشارع على محفظة مكنتش ضايعة اصلاً! سبتني أحكيلك عن حياتي في دار الأيتام وأنت مخبي إنك ولي نعماتي ورئيسي في الشغل! وجاي النهاردة تكافئني قدام الكل وكأني العمل الخيري بتاعك للشهر ده؟ رضوى، أنا كنت عايز أحميكي! أنا مش محتاجة حد يحميني بالكذب! المحل كله كان بيسمع. أنت مأشوفنيش كإنسانة، كملت أنت شفتني كإجابة لسؤالك هو لسه في ناس طيبة؟. وأنا متولدتِش عشان أثبت لواحد ملياردير زهقان إن لسه فيه إنسانية في العالم. ماهر حاول يقرب أنا آسف. وأنا كمان. قلعت رضوى الكارنيه وحطته على الفترينا أنا ماشية. ومحدش استجرأ يوقفها. في العصرية، ماهر كان مستنيها في حديقة الأسماك بالزمالك ومعاه بوكيه ورد أحمر ضخم. كان حاسس إنه شكله عبيط، بس كان متلهف. لما رضوى ظهرت، كانت لابسة جاكيت بسيط وعينيها باين عليها التعب. رضوى، أرجوكي.. اسمعيني. بصت للورد وده كمان جزء من المسرحية بتاعتك؟ ماهر نزل الورد لا.. أنا بحبك. رضوى غمضت عينيها لحظة، وكأن الكلمة وجعتها متقولش الكلمة دي عشان تصلح بيها اللي كسرته. أنا أقدر أساعدك.. في الجامعة، الإيجار، في أي حاجة. عمرك ما هتشيلي هم الفلوس تاني. هي ضحكت ضحكة حزينة هو ده اللي أنت مش فاهمه. أنا قعدت سنين أبنّي في نفسي عشان مأعتمدش على حد. عدّيت من أبويا، والديون، والمدافن، وشغلانات اتهنت فيها.. ولما صدقت إن فيه حد بصلي بدون شفقة، اكتشفت إنه كان بيمتحنّي. ماهر حس إن الورد بقى تقيل زي الصخر في إيده. مكنتش أقصد أؤذيكي. بس أذيتني. رضوى أخدت نفس عميق أنا مش هقبل الترقية.. ومش عايزة مستقبلي يعتمد على شعورك بالذنب. رضوى... لو جه يوم وحبّيت تتكلم معايا تاني، يبقى من غير ماسكات، ومن غير اختبارات، ومن غير ما تحاول تنقذني. مشيت وسابته تحت شجر الحديقة. وماهر ممشيش وراها. ولأول مرة يفهم إن حب حد مش إنك تطوله بفلوسك، لكن إنك تحترم المسافة اللي هو محتاجها عشان يلملم جراحه. بعد 6 شهور، فتحت رضوى محل ورد صغير في زاوية هادية في حي الكوربة بمصر الجديدة. سمته ورد رضوى. مكنش كبير ولا فخم، بس كل حتة فيه كان فيها لمستها زلع فخار متلونة، شلايل ستان، ورد بلدي وفل وفلورسنت ومحطوط في ورق كرافت بني. فتحت المحل بتحويشتها، وقرض صغير، وليالي كتير من غير نوم. أول شهر كان صعب.. والتاني كان أصعب. بس الجيران بدأوا يرشحوا المكان. ست كبيرة كانت بتشتري ورد كل إثنين عشان تحطه على قبر جوزها. شاب كان بياخد عباد شمس عشان يصالح خطيبته. وبنت صغيرة بتيجي كل جمعة تاخد وردة لمعلمتها. رضوى اكتشفت إنها مكنتش عايزة تبيع رفاهية.. كانت عايزة تبيع مشاعر. في يوم مطر خفيف، وهي بترتب الورد الأبيض، شافت عربية سوداء وقفت الناحية التانية من الشارع. ماهر نزل منها. مكنش لابس بدلة كاملة ولا هيبة. ومكنش جايب بوكيه ورد عملاق. كان شايل بس أصيص زرع صغير فيه جهنمية، أوراقها مبلولة بالمطر. وقف عند الباب من غير ما يدخل أو يفرض نفسه إزيك يا رضوى. بصتله وقت طويل أهلاً يا ماهر. رفع أصيص الزرع بحذر أنا مش جاي أشتري غفران.. أنا جاي أسأل إذا كانت النبتة دي محتاجة شمس مباشرة ولا ظل؟ قالولي إن هنا بيعاملوا الناس بضمير، حتى اللي ميفهموش في الزرع. رضوى حاولت متقربش ابتسامتها، بس مقتدرتش على حسب.. لو رعيتها بصبر، بتطلع ورد كتير. ولو حاولت تتحكم فيها زيادة عن اللزوم.. بتنشف وتدبل. ماهر هز رأسه، وهو فاهم إن الكلام مش بس عن الزرع يبقى هتعلم إزاي أرعاها صح. أخدت رضوى الأصيص وحطته على الترابيزة ممكن أشرحلك.. بس المرة دي، من غير كذب. من غير كذب، قالها ماهر. المطر فضّل ينزل على شوارع الكوربة، يغسل الرصيف والعربيات والجراح القديمة. مكنش فيه بوسة أفلام ولا وعود خيالية.. كان فيه بس اتنين واقفين قدام بعض، ولأول مرة.. على نفس المستوى. وساعات، بعد كل الإهانات دي.. اللحظة دي بتبقى قيمتها أغلى من أي نهاية مثالية.