الجزء الثاني والأخير الأرض لما بتتهز تحت رجليك، بتدور على أقرب حيطة تسند عليها… بس المصيبة لما تكتشف إن الحيطة دي هي نفسها اللي وقعت فوق نفوخك. وقفت تحت في مدخل العمارة والدموع متجمدة في عيني. صوت ضحكتها مع خطيبها كان طالع من الشباك زي السكاكين في صدري. شقتنا! الكلمة كانت بترن في ودني، بتكويني. شقا عشر سنين غربة لراجل بيحوش، وحرماني أنا وبناتي من اللقمة الهنية عشان أسترهم. اتحول في ثانية لواحدة تانية تاخده على الجاهز… حكايات منال علي ومش أي واحدة… أختي! البنت اللي كنت بغيرلها البامبرز وأنا متجوزة في أول شبابي. اللي كانت تيجي تبكيلي من أمها وأبوهم الله يرحمهم، وأدادي وأطبطب وأحط القرش في إيدها من ورا جوزي. طلعت الشارع ورجليا مش شيلاني. كل خطوة كنت بحس إن الأسفلت تحت مني بيغرز، كأن الدنيا بتسحبني لتحت. روحت البيت، دخلت قفلت الباب بالمفتاح وسندت ضهري عليه. بناتي كانوا قاعدين يذاكروا في الصالة. الكبيرة بصتلي وقالت: مالك يا ماما؟ وشك أصفر كدة ليه؟ بلعت ريقي اللي كان ناشف زي الحطب، وحاولت أرسم ابتسامة مكسورة: مفيش يا حبيبتي… ضغطي واطي بس من الشمس، ادخلوا كملوا مذاكرتكم. دخلت أوضتي وقفلت على نفسي. وهنا بقى… كل الوجع اللي كان متخزن ومحبوس انفجر. حطيت وشي في المخدة عشان صوتي ما يطلعش للبنات، وفضلت أعيط بحرقة. عيطت على سنين عمري اللي ضاعت هدر. متوفره على روايات واقتباسات عيطت على جوزي اللي كسر خاطري وراح اتجوز غيري عشان يخلف ولد. وعيطت على أختي اللي غرزت ضوافرها في لحمي من غير ما يرمش لها جفن. مرت ليلتين وأنا عيني ما شافتش النوم دقيقة واحدة. راسي كان هينفجر من التفكير. أعمل إيه؟ أروح لأخواتي التانيين الكبار؟ طب ما أنا عارفاهم… أختي الكبيرة يدوبك ماشية جنب الحيط وبتقول يارب الستر ومش حمل مشاكل. والتانية جوزها راجل حشري وطماع، لو عرف إن معايا فلوس وشقة هيقلب الدنيا فضايح ويقول إشمعنى هي اللي تاخدها. طب أقول لجوزي؟ الخوف ده كان بيموتني كل ثانية. جوزي لو عرف… مش بس هياخد الشقة… ده ممكن يرمي عليا اليمين ويحرمني من بناتي. هيقولي سارقاني وبتحوشي من ورا ضهري وتكتبي باسم أهلك؟ هيقلب الترابيزة عليا، ويطلع هو الضحية وأنا الخاينة المذنبة. كنت بين نارين: نار شقايا وبناتي اللي بيضيع مني علني… ونار الفضيحة وخراب البيوت. في اليوم التالت، قلت لنفسي لا يا بت… الدم عمره ما يبقى مية، يمكن البت عقلها خف، يمكن خطيبها اللي وزها، أروح أكلمها بالعقل والحنية، أفكرها باللي بيننا. لبست ونزلت روحت على بيت أختي التاني، الشقة اللي كانت مأجراها وقاعدة فيها. حكايات منال علي خبطت على الباب. فتحتلي وهي لابسة إسدال الصلاة، وبصتلي ببرود يقهر. خير يا أختي؟ جاية ليه تاني؟ زقيت الباب براحة ودخلت: أنا جاية لأختي الصغيرة… جاية لحبيبتي وبنتي اللي ربيتها… مش جاية للواحدة الغريبة اللي شفتها من يومين. وقفت مربعة إيديها، وبنبرة استهزاء توجع: يا ستي متعمليليش فيلم عربي قديم والنبي، الكلام ده مابياكلش عيش اليومين دول. مسكت إيديها وبوستها، أقسم بالله بوست إيد أختي الصغيرة وأنا بذل نفسي عشان خاطر بناتي: يا بنتي استهدي بالله… دي شقايا وشقا بناتك… البنات دول بكره هيكبروا، هيحتاجوا يتجوزوا، هروح بيهم فين؟ ده أبوهم متجوز عليا وعياله الصبيان بكره ياكلوا الأخضر واليابس ومش هيسيبولنا مليم، أنا عملت الشقة دي عشان أأمنهم، تضيعيهم إنتي يا نهى؟ سحبت إيدها مني كأن حشرة لمستها. وبصتلي بعين باردة وقاسية عمري ما شفتها في حياتها: بقولك إيه… إنتي وبناتك عندكم أبوكم يصرف عليكم، راجل شغال بره بالريال وما شاء الله ممعيشكم في عز… إنما أنا؟ أنا ورايا عريس وظروفه على قده، ومش لاقيين حتة نتجوز فيها، الشقة دي ربنا بعتهالي من السما عشان أستر نفسي وأتجوز زي بقية البنات. صرخت فيها من غير ما أحس: ربنا بعتهالك؟! ده مالي وشقايا وحرماني وحرمان عيالي! ربنا بعتهالك من لحمي أنا؟! ردت بصوت أعلى وبجاحة تفلق الحجر: والله القانون مبيعرفش الكلام ده… العقد مسجل باسمي، والشقة في بطاقتي ومفيش ورقة واحدة تثبت إنك دافعة فيها تعريفة… لفي بقى حوالين نفسك في المحاكم لو تعرفي تطلعي منها بقشة! وقفت متنحة. كنت باصة لوشها… مش لاقية فيه أي أثر للبت اللي كانت بتخاف من خيالها. كانت شيطانة واقفة قدامي، عينيها بتلمع بطمع وغل غريب. قالتلي حكايات منال علي ويلا بقى عشان خطيبي جاي دلوقتي وعايزين ننزل نختار العفش بتاع أوضة النوم، ومش عايزة نكد على الصبح. فتحت الباب وشاورتلي بإيدها أخرج. طردتني! أختي طردتني من بيتها عشان تروح تفرش شقتي مع خطيبها! نزلت الشارع والدم فاير في عروقي. الذل اتقلب لغضب، والكسرة اتقلب لبركان. قلت لنفسي أنا سكت على جوزي لما اتجوز عليا، وقلت مش مشكلة عشان البيت ما يتخربش وعشان بناتي… لكن الشقة دي حقي وحق عيالي، ولو سبتها هموت من القهر. روحت على طول لمحامي في منطقتنا، راجل كبير ومحترم وكان صديق والدي الله يرحمه. قعدت قدامه وحكيتله كل تفصيلة، من أول قرش شيلته، لحد اللحظة اللي طردتني فيها. الراجل فضل ساكت، بيسمع ويهز راسه بحزن. وبعدين خلع نضارته وقال: يا بنتي… إنتي حطيتي رقبتك تحت سكينة تلمة. قلتله بلهفة: يعني إيه يا متر؟ ماليش حق؟ القانون ميجبليش حقي؟ رد عليا بأسى: القانون لا يحمي المغفلين يا بنتي، والعقد شريعة المتعاقدين… العقد باسمها، والتوقيع بتاعها، وفلوس الشراء مكتوب في العقد إنها مسددة من المشتري اللي هو هي… هل معاكي ورقة ضد؟ ورقة أمانة؟ وصل بيع من الباطن؟ أي إقرار منها إن الفلوس دي بتاعتك؟ هزيت راسي بالنفي والدموع مغرقة وشي: لا يا متر… دي أختي، والله أختي الصغيرة، أكتب على أختي وصل أمانة؟! المحامي اتنهد تنهيدة طويلة: المصيبة هنا… حتى لو رفعنا قضية صورية عقد، هنحتاج شهود، ومين هيشهد؟ البايع اللي باعلك؟ هيقولك أنا ماليش دعوة، الفلوس جاتلي من إيدها أو إيدك المهم العقد باسمها… والقضية هتقعد سنين في المحاكم وهتكون اتجوزت وخلفت فيها ومش هتعرفي تطلعيها، ده غير إن القضية هتعمل شوشرة وجوزك هيعرف من بره. حسيت إن السقف بيقع فوق دماغي. كل الأبواب اتقفلت في وشي. القانون عاجز… والأهل ناكرين… والددنيا مفيهاش رحمة. خرجت من عند المحامي وروحت البيت، قعدت زي الجثة الهامدة. البنات ناموا، وبقيت قاعدة في الصالة في الضلمة. كل ذكريات عمري بتمر قدام عيني. يوم ما جوزي سافر وأنا لسه عروسة صغيرة. يوم ما التوأم ماتوا وإيديا كانت بتترعش وأنا بسيبهم في المستشفى. يوم ما عرفت إنه اتجوز وجاب الولد اللي كان حارمني من الضحكة علشانه. ويوم ما حوشت تمن الشقة من أكلي وشربي ولبسي. فجأة… الموبايل رن وقطع الضلمة والسكوت. بصيت في الشاشة، لقيت اسم “أبو البنات”. جوزي بيتصل من السعودية. إيديا اترعشت، وقلبي فضل يدق بسرعة مرعبة. فتحت الخط بصوت مخنوق ومتردد: ألو… سمعت صوته جاي من بعيد، صوت غريب ومهموم مش عوايده: إزيك يا أم البنات… عاملة إيه؟ والبنات عاملين إيه؟ قولتله: الحمد لله… كويسين، كلهم نايمين. سكت شوية… سكوت طويل أوي، حسيت فيه إن في حاجة تقيلة على نفسه. وبعدين قال بصوت مكسور عمري ما سمعته منه: أنا نازل مصر الأسبوع الجاي يا هدى… نازل نهائي. الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة: نازل نهائي؟! ليه؟ في إيه يا أبو البنات؟ حصل حاجة في الشغل؟ اتنهد تنهيدة شقت قلبي نصين: الشركة صفت أعمالها، ومش بس كدة… الشريك اللي كنت مدخله معايا في التجارة هنا نصب عليا في تحويشة العمر كلها، ورفع عليا قضايا وحجزوا على كل حاجة… أنا راجع بهدومي اللي عليا يا هدى، ممعاييش ولا مليم أحمر، حتى مكافأة نهاية الخدمة راحت في المحاكم. فضلت ساكتة، مذهولة، مش قادرة أنطق. وهو كمل وهو بيبكي… راجل بشحمه ولحمه بيبكي في التليفون: ومراتي التانية… أول ما عرفت إني اتكسرت ومبقاش في جيبي قرش، خدت عيالها ورفعت عليا خلع وطلبت نفقة وقايمة… وراحت عند أهلها ورمتني في الشارع… ملقتش حد أكلمه في الدنيا دي كلها غيرك، أنا مليش غيرك إنتي وبناتي يا هدى، سامحيني على كل اللي عملته فيكي، سامحيني إن كنت جيت عليكي… أنا جاي ومعنديش حتى حتة بيت أعيش فيه غير بيتنا القديم ده… لو مش عايزاني أدخل هلف في الشوارع ومش هزعل منك. قفلت المكالمة بعد ما هديته وكلمته بكلمتين ناشفين. قعدت مكاني مش مصدقة اللي بيحصل. الدنيا دارت دورة كاملة في ثواني! الراجل اللي كان فاكر إن الولد هو السند، ومراته التانية هي الأمان… أول ما القرش طار، طردته ورمتله عياله وخلعته. ودلوقتي راجع مكسور الجناح، ممعاهوش حتى تمن لقمة عيشه. وهنا بقى… الحقيقة صدمتني في وشي زي جردل مية تلج. لو الشقة دي كانت لسه معايا… كانت هتبقى هي المنقذ، هي السند لينا وليه ولبناته في الأيام السودة اللي جاية دي. بس الشقة اتسرقت! اتسرقت من أختي اللي بتجهز عشان تتجوز فيها بعد أسبوعين! في اللحظة دي، حسيت بقوة غريبة دخلت قلبي. قوة مكنتش موجودة قبل كدة. الخوف مات. الخوف من جوزي خلاص مابقاش ليه معنى… الراجل رجع خسران كل حاجة، ومكسور، ومحتاجلي أكتر ما أنا محتاجاله. والخوف من الفضيحة مابقاش يفرق معايا، لإن خلاص مفيش حاجة تانية أخسرها. قمت وقفت، غسلت وشي بمية ساقعة، وبصيت في المراية. حكايات منال علي شفت ست تانية خالص. مش الست المكسورة اللي بتبلع المر وتسكت. مش الست اللي بتطاطي عشان المركب تسير. قلت لنفسي: الحق مابيجيش بالدموع، الحق بيتاخد بالدراع… والشقة دي لو مدخلتهاش أنا وبناتي، مفيش مخلوق على وش الأرض هيفرح بيها. تاني يوم الصبح… عرفت إن خطيب نهى أختي، راجل محترم وغلبان، شغال محاسب في شركة محترمة، وسمعته نضيفة جداً، وكل اللي يعرفه إنه اتجوز بنت شريفة وفقيرة وجايباله شقة ملك من ورث أهلها زي ما هي ضحكت عليه وفهمته! أيوة… نهى فهمت خطيبها وأهله إن الشقة دي ورثها الشرعي من أبوها وأمها، وإنها عشان بتحبه اتنازلت ودخلته فيها! مسكت التليفون، وطلبت رقم خطيبها. ألو… أستاذ طارق؟ أيوة، مين معايا؟ أنا هدى… أخت نهى الكبيرة، كنت عايزاك في مشوار ضروري نص ساعة بس من غير ما نهى تعرف، الموضوع يخص مستقبلك وجوازك. الراجل استغرب جداً، بس احترم سني وقال: خير يا أبلة هدى؟ في حاجة؟ تحت أمرك، نتقابل في كافيه قريب من الشغل. نزلت قابلته. الراجل قعد وشكله محترم وبن ناس بجد، أول ما شافني وقف وسلم عليا باحترام وقالي: منورة يا أبلة، نهى دي في عينيا ومتقلقيش عليها أبداً. بصيت في عينيه وقلتله بمرارة: نهى بتضحك عليك يا طارق… وأنت راجل محترم وميرضكش تاكل مال حرام وتدخل بيتك بفلوس مسروقة. الراجل اتصدم، وشه اتغير تماماً: إيه الكلام ده يا أبلة؟ مسروقة إيه وحرام إيه؟ نهى قالتلي إن الشقة دي ورثها من المرحوم والدكم، وإنه كان كاتبها ليها قبل ما يموت! طلعت من شنطتي كل الأوراق اللي فضلت سهرانة أجمعها طول الليل. كشوفات حساب البنك بتاعي… التحويلات اللي كنت بحولها للمقاول وصاحب العمارة… عقد البيع الابتدائي اللي كان معمول باسمي قبل ما أعدله في الشهر العقاري باسمها… رسائل الواتساب القديمة اللي بيني وبينها، وهي بتقولي ربنا يخليكي لينا يا أبلة إنتي اللي بتصرفي علينا وإنتي اللي اشتريتي الشقة وسترتينا. وفوق كل ده… شهادة الوفاة بتاعة أبويا، وتاريخها قبل تاريخ شراء الشقة بست سنين كاملة! قولتله وأنا باصة في عينيه: أبويا مات وهو معندوش مليم أحمر، الشقة دي من لحمي وشقايا وشقا عيالي الأيتام اللي أبوهم اتكسر وخسر كل حاجة في الغربة… أختي استغلت ثقتي وكتبتها باسمها عشان أحميها من الزمن، وهي دلوقتي بتبيعني وبتبيع لحمها عشان تاخدها على الجاهز… لو يرضيك تبني بيتك على شقا أربع بنات معندهمش مأوى، وتعيش في شقة مغصوبة ومسروقة، اتفضل اتجوز فيها وافرح. طارق مسك الأوراق، إيديه كانت بتترعش. وشه احمر وعروق رقبته نفرت من الصدمة. فضل يقرأ في التواريخ والأرقام، ويشوف الرسايل. حط الأوراق على الترابيزة، وسند راسه بإيديه الاتنين وفضل ساكت مدة طويلة جداً. حكايات منال علي وبعدين رفع راسه، وكانت عينيه مليانة خزي وغضب: أنا أبويا رباني على اللقمة الحلال يا أبلة هدى… وعمري في حياتي ما دخلت على بيتي قرش حرام، ولا أرضى أعيش في حتة مغصوبة من بنات يتامى وأم شقيانة. قام وقف ومدلي إيده بالورق: حقك هيرجعلك يا أبلة… ولحد عندك، والنهاردة قبل بكره. الساعة كانت تمانية بالليل. روحت على شقتي… الشقة اللي كانت نهى بتفرشها وبتعلق فيها الستاير ومبسوطة مع نفسها. طلعت الدور التالت، ولقيت الباب موارب. زقيت الباب ودخلت. كانت نهى واقفة بتبص على النجفة الجديدة وهي بتضحك وبتغني. أول ما شافتني، ابتسامتها اختفت واتقلبت لغضب: إنتي إيه اللي جابك هنا تاني؟ إنتي مبتفهميش؟! قولتلك الشقة دي ملكيش دعوة بيها، واطلعي بره قبل ما أطلبلك البوليس! وقفت مكاني وبصيت في أركان الشقة. الستاير… النجف… العفش اللي جه نصه… كل ده بفلوس مسروقة وحلم متبني على خراب بيت تاني. قلت بهدوء غريب: البوليس ييجي يا نهى… يا ريت ييجي عشان يشوف الحرامية اللي بتسرق أختها. نهى رفعت صوتها وبقت تزعق: أنا مش حرامية! ده حقي، والقانون معايا، والعقد في جيبي، واطلعي بره بقى! وفجأة… صوت جه من ورايا، صوت هادي بس حاد زي السيف: والقانون بتاعك ده… بيحلل السرقة والنصب يا نهى؟ نهى اتجمدت مكانها، ولفت وشها بسرعة. كان طارق واقف على الباب، ومعاه أمه وأبوه. نهى اتلخبطت ووشها بقى زي الليمونة المخللة، وجريت عليه بتمثيل رخيص: طارق! حبيبي كويس إنك جيت… شوف أختي جاية تعملي مشاكل و… طارق رفع إيده في وشها وقطع كلامها بحزم: أخرسي خالص! متقوليش حبيبي دي على لسانك أبداً! أمه بصتلها بقرف وقالت: إخص عليكي يا بت… طالعة شبه الملايكة ومن جواكي شيطان بياكل في لحم أخته وشقا عيالها؟ إحنا يدخل بيتنا واحدة نصابة زيك؟! نهى بصت لطارق برعب، وبدأت تتهته: طارق… إنت بتصدق الكلام ده؟ دي بتتبلى عليا عشان بتغير مني ومن جوازي! طارق طلع الورق من جيبه ورماه في وشها: الورق ده مبيكدبش! وتاريخ وفاة أبوكي قبل العقد بست سنين مبيكدبش! وتحويلات البنك باسم أختك مابتكدبش! إنتي واحدة طماعة ورخيصة، وأنا لولا أختك المحترمة دي جت وعرفتني الحقيقة، كنت هعيش عمري كله مع واحدة خاينة ومغفلة بتاكل في لحم أهلها! نهى بدأت تعيط بهستيريا: طارق اسمعني بس… عشان خاطري أنا عملت كدة عشان نتجوز، عشان نلاقي حتة تجمعنا! طارق قلع الدبلة من إيده ورماها على الأرض تحت رجليها: أنا أتجوز في عشة على السطوح بحلال ربنا… ولا أدخل قصر مسروق من دم شقا أختك! الجوازة دي باطلة، ودبلتك اهي، وكل حاجة بيننا انتهت، ومش عايز أشوف وشك تاني ليوم الدين! أبوه وأمه لفوا ضهرهم وخرجوا، وطارق وقف على الباب وبصلي باحترام: حقك عليا يا أبلة هدى… وإحنا بريئين من الأشكال دي. ونزل وسابها. الباب اتقفل وراهم، وفضلنا أنا وهي في الشقة لوحدنا. نهى كانت واقعة على الأرض، بتعيط وبتصرخ، بتبص للدبلة المرمية في التراب، وبتبص للعفش اللي ملحقش يتهنى بيه حد. رفعت راسها وبصتلي بعينين مليانة سم وغل: ارتحتي؟! خربتي بيتي؟! بوظتي جوازتي وفرحة عمري؟! منك لله يا شيخة، منك لله! مشيت خطوتين وقفت قدامها، وبصيت في عينيها من فوق: أنا مخربتش بيتك يا نهى… إنتي اللي بنيتي بيتك على أنقاض بيتي وشقايا… إنتي اللي دوستي على الأخت اللي ربتك وسابت اللقمة من بقها عشان تديهالك… إنتي اللي نسيتي ربنا، وفاكرة إن الورقة دي هتحميكي من دعوة مظلوم. قالت وهي بتنهج من العياط والذل: مش هتاخدي الشقة برضه! هفضل قاعدة فيها، ومش هتنازل، وهخليكي تموتي بحسرتك! ابتسمت بمرارة وطلعت تليفوني: براحتك يا نهى… بكره الصبح هيكون جوزي هنا في مصر، وطارق المحترم سجل كل اعترافاتك دلوقتي بصوته وصوت أهله، ولو الشقة دي متنازلتيش عنها في الشهر العقاري بكره الساعة تسعة الصبح برضاكي وبشهود، أنا هرفع قضية خيانة أمانة ونصب، وهفضحك قدام المنطقة والعيلة كلها، وهخليكي تمشي في الشارع والناس بتشاور عليكي وتقول النصابة اللي سرقت أختها… واختاري بقى تتنازلي بالهدوء وتستري نفسك، ولا تدخلي السجن وتتفضحي فضيحة متتلمش طول عمرك؟ نهى بصتلي برعب… كانت أول مرة تشوف الوش ده مني. عرفت إن خلاص، كل الحبال اتقطعت، وإن البنت الصغيرة الساذجة اللي كانت بتستغل طيبتها ماتت ومبقاش ليها وجود. نزلت راسها في الأرض، وبصوت مخنوق ومكسور قالت: هتنازل… بس مش عايزة أشوف وشك تاني، إنتي مش أختي. قلتلها والدمعة نزلت من عيني غصب عني، دمعة وجع على الأخوة اللي ماتت: إنتي اللي قتلتي الأخت دي من يوم ما قلتي شقتنا ببرود… من اللحظة دي، إنتي بالنسبالي واحدة غريبة ماليش صلة بيها. تاني يوم الصبح… في الشهر العقاري، مضت نهى على عقد التنازل والبيع النهائي ليا، قدام موظف الشهر العقاري واثنين شهود. كانت إيديها بترتعش وهي بتمضي، وعينيها في الأرض مبترفعهاش. أول ما استلمت الورق في إيدي، ومسكت العقد المسجل باسمي أنا… بصيت للورقة وحسيت إن جبل كان فوق صدري وانزاح. نهى خرجت من غير ما تنطق بكلمة، اختفت وسط الزحمة كأنها عمرها ما كانت في حياتي. خسرت أختي… أيوة، خسرتها للأبد. بس كسبت كرامتي، وحميت مستقبل بناتي، واتعلمت الدرس اللي ميتنسيش: إن اللي مبيعملش لنفسه حساب، الدنيا بتدوس عليه… وإن الطيبة لما بتزيد عن حدها بتبقى سذاجة وغباء. بعدها بيومين… وصل جوزي من المطار. دخل البيت القديم، راجل عجوز مهدود الحيل، الشيب مالي راسه، وكتفه مايل كأنه شايل هموم الدنيا كلها. بناته جروا عليه وحضنوه، فضل يبكي زي الأطفال وهو حاضنهم. بصلي وهو مكسوف يرفع عينه في عيني: هدى… أنا آسف. قربت منه، وحطيت إيدي على كتفه: حمد الله على سلامتك يا أبو البنات… البيت بيتك، وإنت وسط عيالك. قعدنا بالليل، وفتحت معاه الموضوع من الأول للآخر. حكيتله عن الفلوس اللي كنت بشيلها، وعن الشقة اللي اشتريتها، وعن الغدر اللي شوفته من أختي، وعن اللي حصل لحد ما رجعتها. جوزي فضل باصصلي ومبلم، مش مصدق القوة اللي بقيت فيها. وبعدين وطى على راسي وباسها قدام بناتي، وقال بصوت مخنوق بالدموع: أنا اللي كنت أعمى يا هدى… جريت ورا الوهم وخسرت كل حاجة عشان كلمة ولد، وفي الآخر اللي سترني وحفظني وصان بيتي هي أنتي وبناتك… الشقة دي شقتك إنتي والبنات، وعمري ما هحط عيني فيها ولا في مليم منها. النهاردة… بنقل عفشنا في الشقة الجديدة. البنات فرحانين، كل واحدة فيهم بتختار أوضتها وسريرها. الشمس داخلة من البلكونة منورة كل ركن في البيت. وقفت في نص الصالة، وبصيت للسقف، ورفعت إيدي لربنا وقلت من كل قلبي: الحمد لله… يارب متكلناش لحد، ولا لغريب ولا لقريب. اتعلمت إن الضربة اللي بتكسر الضهر بتتقويه… وإن الأهل الحقيقيين مش بالدم والولادة… الأهل الحقيقيين هما اللي يقفوا في ضهرك وقت الشدة، مش اللي يستنوا وقوعك عشان ينهشوا في لحمك. قفلت باب الشقة ورايا بالمفتاح، وحطيت المفتاح في جيبي وأنا رافعة راسي… شقتي… من شقايا… وبناتي في حضني… والحمد لله على كل حال. تمت. “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”