اختى يوم فرحي2
كانوا ماشيين في البيت يتنططوا من الفرحة، يوزعوا شربات ويشغلوا أغاني، وأنا شايفة بنتي حنان محبوسة في أوضتها بتعيط ليل نهار، وقافلة على نفسها، وقلبها مكسور مية حتة. أحمد جوزي كان ماشي في البيت زي الخيال، كبر عشر سنين في أسبوعين من كتر القهرة وصدمته في محمد اخوه اللي باعه وباع بنته عشان عريس مناسب.
وسلفتي وبنتها وجوزها ولا اتهزت فيهم شعرة، كانوا فاكرين إن الموضوع انتهى عند كده. فاكرين إننا حيطة مايلة، وإننا هنسكت ونتفرج عليهم وهما بيبنوا سعادتهم على دموع بنتنا. فاكرين إن حق حنان راح…
عملوا الفرح، وكانت القاعة منورة، ونرمين لابسة الأبيض ومبسوطة وطايرة من الفرحة، وعبلة سلفتي ماشية بين الناس تتباهى وتوزع ابتسامات، ومحمد واقف يوزع شربات وفخور بنفسه. كانوا فاكرين إن كل حاجة مشيت تمام وأننا مش هنحضر الفرح علشان ما نتواجهش مع أسئلة الناس، بس أنا دخلت الفرح ما هربتش ولا استخبيت. دخلت ومعايا الحاجة اللي هترجع حق بنتي، الحاجة اللي تخلي سلفتي عبلة تلطم على وشها من الصدمة، ونرمين تلعن اليوم اللي لبست فيه فستان مش من حقها… أما محمد أخو جوزي فتمنى لو كان الأمر انتهى من بدايته وما حصلش اللي حصل!
دخلتُ القاعة بخطوات أثقل من الجبال وأثبت من الصخر، لم أكن أرتدي السواد كما تمنوا ليروا انكساري، بل ارتديت ثوباً كحلياً وقوراً ورفعت رأسي إلى عنان السماء، وخلفي كان أحمد جوزي يمشي بملامح حادة كالسيف بعدما أقنعته أن دمعة ابنته لن تجف إلا إذا رأى الخائن يركع.
القاعة كانت تضج بالزغاريد والموسيقى الصاخبة، وعبلة تتوسط المعازيم بفستانها اللامع تتبختر كطاووس مغرور، ومحمد يوزع السيجار والشربات والضحكة تملأ شدقيه، أما نرمين فكانت تجلس في “الكوشة” بفستانها الأبيض المنفوش، ترسل نظرات تشفٍ ونصر لم تكن تخطئها عيني، وبجوارها العريس الذي كان يبتسم بزهو أعمى.
بمجرد أن وطأت أقدامنا منتصف القاعة، خفتت بعض الأصوات وتهامس الناس، وبدأت العيون تتنقل بيننا وبين العروسين. عبلة تجمدت ابتسامتها للحظة، لكنها استجمعت جبروتها واقتربت مني بضحكة صفراء مسمومة وقالت بصوت مسموع لتُسمع القريبات: “أهلاً أهلاً يا سلفة، خطوة عزيزة والله، نورتي فرح نرمين، عقبال ما نفرح بحنان في ظروف أحسن، ده نصيب يا أختي والقلب وما يريد!”