طائرة خاصة

استيقظت على ارتفاع 30 ألف قدم فوق المحيط الأطلسي… واكتشفت إني ركبت بالغلط طيارة ملياردير!
كان المفروض إني أرجع بوسطن في نفس الليلة، لكن كل الرحلات كانت كاملة.
بعد يوم شغل مرهق استمر 16 ساعة في رعاية طفل حديث الولادة لعيلة ثرية في كونيتيكت، كنت حاسة إن جسمي كله بيوجعني، وعيني مش قادرة تفتح من التعب.
كل اللي كان في دماغي وقتها إني أوصل سريري… وأنام.
ولما أخيرًا لقيت رحلة، ركبت الطيارة من غير ما أدقق كتير في التفاصيل.
الطيارة كانت صغيرة بشكل غريب، بس فخمة جدًا.
مقاعد جلد لونها كريمي، إضاءة ذهبية هادية، أرضية لامعة، ومساحة واسعة تخلي المكان شبه جناح فندق خمس نجوم.
بصيت حواليّ.
مفيش ركاب تقريبًا.
لكن من شدة إرهاقي، عقلي اختار أبسط تفسير:
“أكيد الشركة رقّتني لدرجة رجال الأعمال.”
ضحكت بيني وبين نفسي، وقعدت في أقرب مقعد.
وبعد دقائق…
غلبني النوم.
صحيت على صوت هادي:
— حضرتك… أعتقد إنك قاعدة في مكاني.
فتحت عيني بالعافية.
وأول حاجة شفتها كانت رجل طويل، لابس بدلة سوداء متفصلة بعناية، واقف قدامي وبيبص لي باستغراب.
رفعت رأسي وبصيت حواليّ.
وبعدين بصيت له.
— إحنا فين؟
رد بهدوء:
— فوق المحيط الأطلسي.
اتعدلت في الكرسي بسرعة.
— إيه؟!
ابتسم ابتسامة صغيرة.
— إحنا في طيارة خاصة.
بلعت ريقي.
— طيارة خاصة؟!
هز رأسه.
— وأيوه… إحنا في طريقنا لباريس.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
— طب أنا… ركبت الطيارة دي إزاي؟!
ابتسم مرة تانية.
— ده السؤال اللي كنت مستنيه منك.
حطيت إيدي على رأسي.
— يا نهار أبيض…
وبصيت له:
— حضرتك هتسلمني للشرطة لما نوصل؟
ضحك لأول مرة.
— لأ.
— ليه؟
— لأنك لو كنتي لصّة، غالبًا مكنتيش هتنامي بالبراءة دي وسط طيارتي.
كنت محرجة جدًا، لكن الغريب إن صوته ماكانش فيه عصبية.
بالعكس…
كان هادي بشكل غير متوقع.
مد إيده وقال:
— أنا سليم الباشا.
وقفت للحظة.
الاسم كان مألوف جدًا.
لكن قبل ما أفتكر، قال:
— صاحب مجموعة الباشا للاستثمارات.
اتسعت عيناي.
الملياردير سليم الباشا.
واحد من أشهر رجال الأعمال في المنطقة، واللي صورته بتظهر باستمرار في المجلات الاقتصادية.
ومع ذلك…
كان واقف قدامي بهدوء، وكأن وجود واحدة غريبة نامت بالغلط في طيارته الخاصة شيء عادي جدًا.
قعد على المقعد المقابل وسألني:
— اسمك إيه؟
قلت:
— نورهان.
— بتشتغلي إيه يا نورهان؟
— برعى أطفال حديثي الولادة.
رفع حاجبه.
— يعني ممرضة؟
هزيت رأسي.
— مش بالضبط. أنا متخصصة في رعاية الأطفال بعد الولادة، خصوصًا الحالات اللي محتاجة متابعة طول اليوم.
ابتسم.
— وعشان كده كنتي نايمة في طيارتي؟
ضحكت رغم إحراجي.
— بعد 16 ساعة شغل… كنت ممكن أنام واقفة.
ضحك هو كمان.
وبشكل غريب، الكلام بينا بدأ ياخد منحنى مختلف.
بدل ما يسألني إزاي ركبت طيارته، بدأ يسألني عن حياتي.
وأنا…
من غير ما أعرف ليه، بدأت أحكيله.
حكيت له عن والدتي.
عن أخويا الصغير.
عن شغلي اللي باخد منه ساعات طويلة.
وعن أحلام كتير كنت أجلها كل مرة عشان أقدر أدفع مصاريف البيت.
كنت متوقعة إنه يمل.
لكن سليم كان بيسمعني باهتمام غريب.
ولا مرة بص في موبايله.
ولا مرة قاطعني.
ولما خلصت كلامي، قال:
— إنتِ بتتكلمي عن نفسك كأن حياتك كلها شغل ومسؤوليات.
ابتسمت بحزن.
— يمكن عشان ده اللي حصل فعلًا.
سكت شوية.
وبعدين قال:
— غريبة…
— إيه؟
— بقالي سنين محدش اتكلم معايا بالطريقة دي.
ضحكت:
— عشان أنا أصلًا ماكنتش أعرف إنك ملياردير قبل ما تقول لي.
ابتسم.
— وده بالضبط اللي خلاني مرتاح.
بعد شوية، قدموا لنا العشاء.
كان فيه طباخ خاص على متن الطائرة، وكل طبق كان شكله كأنه خارج من مطعم خمس نجوم.
لكن أنا كنت مرهقة لدرجة إني بالكاد كنت قادرة أركز.
وبينما أنا بآكل، سألني سليم:
— إنتِ كنتي راجعة بوسطن ليه؟
قلت:
— عندي شغل هناك بكرة الصبح.
— ولو عرضت عليكي أوصلك؟
ضحكت.
— حضرتك واخدني بالغلط لباريس، ولسه هتوديني بوسطن؟
ضحك.
— عندك حق.
لكن بعدها حصل شيء غريب.
إيده راحت ناحية جهاز صغير كان موجود جنب مقعده.
جهاز تحكم للطيارة.
ضغط عليه.
وفجأة…
ظهرت رسالة على الشاشة.
“تم اكتشاف محاولة دخول غير مصرح بها.”
سليم سكت.
الابتسامة اختفت من وشه.
بص للشاشة، وبعدين نادى مساعد الطيار.
— مين اللي دخل على النظام؟
الرد جه بسرعة:
— لسه بنحاول نحدد المصدر.
سليم قام.
— اقفل كل الحسابات.
المساعد رد بتوتر:
— المشكلة إننا مش بنتكلم عن محاولة اختراق عادية.
— يعني إيه؟
— فيه تحويلات مالية حصلت من حساباتك قبل الإقلاع مباشرة.
سليم بص له بحدة.
— كام؟
الرجل تردد.
— ملايين.
سليم وقف مكانه.
وأنا حسيت إن الجو كله اتغير.
بعد دقائق، بدأت الطيارة تعلن حالة طوارئ داخلية.
مساعد الطيار دخل وقال:
— أستاذ سليم، في ملف مفقود من الخزنة الإلكترونية.
— أي ملف؟
— ملف الحسابات السرية.
سليم سكت.
وبعدين بص لي.
نظرة غريبة جدًا.
أنا اتوترت.
— مالك؟
ما ردش.
لكن عينه نزلت على المقعد اللي أنا كنت قاعدة عليه من أول ما ركبت الطيارة.
قام واتجه ناحيتي.
— نورهان… ممكن تقومي؟
وقفت وأنا مش فاهمة.
رفع الوسادة من تحت المقعد.
وكان فيه…
ظرف أسود صغير.
اتفتح الظرف.
جواه فلاشة وملف ورقي.
سليم أخده.
ولما شاف محتواه، وشه اتغير تمامًا.
قلت:
— إيه ده؟
رد بصوت منخفض:
— ده الملف اللي اتسرق من مكتبي قبل ما أطلع.
اتجمدت.
— يعني… حد حطه تحت الكرسي بتاعي؟
هز رأسه.
— واضح.
— طب ليه؟
ما ردش.
فتح الملف.
وفي أول صفحة كان فيه جدول بتحويلات مالية بمبالغ ضخمة.
لكن في آخر الصفحة…
كان فيه اسم.
نورهان عبدالسلام.
أنا بصيت له في صدمة.
— اسمي؟!
سليم رفع عينه لي.
ولأول مرة من ساعة ما قابلته…
شفت الخوف في عينيه.
قال:
— إنتِ مش راكبتي الطيارة بالغلط يا نورهان.
قلبي وقع.
— أمال إزاي؟
قرب الملف مني.
وفي الصفحة الأخيرة كانت صورة ليا.
صورة اتصورت قبل يومين وأنا خارجة من شغلي.
وتحت الصورة جملة واحدة:
“أدخلوها الطائرة مهما كان الثمن.”
رفعت عيني لسليم.
— مين اللي كتب ده؟
قفل الملف بسرعة.
وبص لمساعد الطيار.
— اقفل باب الطيارة.
وبعدين بص لي وقال:
— من اللحظة دي…
إنتِ مش راجعة بوسطن.
ولا حتى باريس.
— أمال رايحين فين؟
سكت ثانيتين.
ثم قال:
— رايحين نعرف مين اللي اختارك… وليه كان عايزك تكوني على طيارتي بالذات.
وفي اللحظة نفسها…
انطفأت كل أنوار الطائرة.
وسمعنا صوت إنذار قصير.
ثم ظهرت رسالة حمراء على الشاشة:
“تم تفعيل الخطة البديلة.”
سليم بص للشاشة، وبعدين قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي:
— الخطة دي ماكانش المفروض تبدأ غير لو أنا متّ.
وسكت.
لأننا في اللحظة دي…
سمعنا صوت خطوات جاية من مؤخرة الطائرة.
وكان واضح إننا مش لوحدنا.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *