بنتي الصغيرة الكاتب إسلام أحمد

البنت مكنتش بتعيط، كانت بتبصلي بنظرة كلها غل، ورفعت التليفون في وشي.. شاشة التليفون كانت منورة على تسجيل صوتي شغال، وصوت بنتي الصغير طالع منه وهي بتقول بنبرة مرعبة: “خلاص يا عمو.. أنا بعمل اللي اتفقتوا عليه.. ثواني وهتكون ماتت.”

وفي اللحظة دي، سمعت صوت قفل باب الشقة الرئيسي وهو بيتفتح براحة من برة.. وفي حد خطوته بدأت تقرب من أوضتي!

مسحت من دماغي فكرة إن في حد برة الشقة، وقفلت باب الأوضة بالمفتاح وأنا إيدي بتترعش والتليفون وقع مني على الأرض. الصوت اللي كان في التسجيل مكنش صوت بني آدم بيكلم بني آدم.. النبرة التانية اللي كانت بترد عليها في التسجيل، لما ركزت فيها قبل ما التليفون يفصل، مكنتش نبرة “عمو” خالص.. دي كانت أشبه بفحيح أفعى أو صوت جاي من البئر، صوت ملوش ملامح بشرية.

التفتت لبنتي وأنا ضهري ساند على الباب، لقيتها قاعدة على الأرض مربعة رجليها، وراسمة على وشها نفس الابتسامة الباردة. سألتها بصوت مخنوق من الرعب: “أنتي كنتي بتكلمي مين يا حبيبتي؟ مين اللي جوه التليفون؟”

بصتلي وعينيها فجأة واسعة بشكل مش طبيعي، النني الأسود بتاع عينها حسيت إنه كبر وبلع البياض كله، وقالتلي بصوت هادي وراسي جداً: “هو مش جوه التليفون يا ماما.. هو واقف وراكي دلوقتي.. وبيقلي إنك قفلتي الباب عليا وعليها.. بس نسيتي تقفليه عليه هو.”

جسمي كله قشعر، ودمي اتجمد في عروقي. حسيت ببرودة مرعبة ورا ضهري، كأن في تيار هواء تلج طالع من الخشب بتاع الباب اللي أنا ساندة عليه. لفيت براحة وأنا مرعوبة.. مكنش فيه حد. بس لما بصيت على الأرض.. شفت الصدمة اللي خلت ركبي تخونني وأقع مكاني.

اللمبة الضعيفة بتاعة الأوضة كانت عاكسة ضلي على الأرض.. وجنبه، كان فيه ضل تاني.. ضل طويل وضخم، ملوش ملامح واضحة، بس واصل لغاية السقف، ومادد إيده الضل دي ومثبتها فوق راس بنتي مباشرة.. كأنه خيوط ماريونيت خفية هي اللي بتحركها!

وفجأة، البنت قامت وقفت من غير ما تستخدم إيديها، كأن في قوة شدتها لفوق، وبدأت تقرب مني بخطوات بطيئة، وهي بتقول بنبرة صوت غريبة.. صوتها هي بس مدموج معاه صدى صوت تاني تخين ومرعب: “هو بيقولك.. بلاش تروحي الشغل بكرة.. عشان البيت هنا هيبقى أظلم.. وأظبط.”

الليل مكنش بيعدي، والأيام اللي وراه بقت زي الجحيم. بقيت عايشة مع بنتي في بيت واحد بس حاسة إني محبوسة مع كائن غريب مش عارفاة. محاولاتها ملقلتش، بالعكس، بقت أذكى وأخطر، وكلها بتحصل في هدوء مريب.
في يوم، كنت قايمة من النوم هلكانة، دخلت الحمام أغسل وشي.. أول ما فتحت الحنفية ونزلت المياه على وشي، حسيت بلسعة نار! صرخت وبصيت في المراية لقيت وشي أحمر وبيطلع منه دخان. البنت كانت واخدة مية النار اللي بنظف بيها الحوض، ومفضياها في الفلتر بتاع الحنفية! بصيت ورايا لقيتها واقفة عند باب الحمام، عينيها واسعة ومبرقة، والضل الطويل الخفي ده كأنه محاوطها من كل ناحية. سألتها بصرخ: “ليه؟! هتموتيني يا بنتي؟!”.. ردت بكل برود: “هو قالي إنك لو شيلتي الوش ده.. هترجعي تضحكي تاني.”
مبقتش قادرة أستحمل.. الرعب النفسي كان بيموتني بالبطيء. الضل الخفي ده كان بيظهر في كل مكان، على حيطة الصالة، ورا ستارة الأوضة، كأنه مسيطر على عقلها تماماً وبيحركها زي العروسة اللعبة عشان تخلص مني.
لحد ما جه اليوم المشؤوم.. اليوم اللي كل حاجة فيه اتكشفت.
كنت قاعدة في الصالة، وضهري وجعني جداً من قلة النوم. بنتي دخلت عليا المطبخ، وجابتلي كباية عصير ليمون. قعدت جنبي وبصتلي بنظرة رقيقة بقالي شهور مشوفتهاش، وقالتلي بصوتها الطبيعي بتاع زمان: “اشربي ده يا ماما عشان ترتاحي.. أنتي تعبانة أوي.”
أنا من كتر اشتياقي لحضنها وبراءتها، صدقتها. أخدت الكباية وشربتها كلها.. بس بعد خمس دقائق بالظبط، حسيت بنغزة في قلبي.. نغزة قوية لدرجة إني مكنتش قادرة أخد نفسي، وجسمي كله بدأ يتشنج وأقع من على الكنبة على الأرض.
بنتي وقفت فوق راسي، وبدأت تضحك.. بس المرة دي مكنتش ابتسامة باردة، دي كانت بتضحك بهستيرية، والضل وراها ع الحيطة بيتحرك ويوطي عليها. وأنا بلفظ أنفاسي الأخيرة وبطلع تليفوني عشان أطلب الإسعاف، إيدي خبطت في اللاب توب بتاعي اللي كان مفتوح على المكتب الصغير جنب الكنبة.
الشاشة نورت.. وجت على الفايل اللي أنا كنت شغال عليه بقالي سنة..
في اللحظة دي، وأنا بموت، الصدمة الحقيقية فوقتني.. صدمة أقوى من السم اللي بيجري في دمي.
بصيت على الشاشة، وبعدين بصيت لبنتي.. وبدأت أفتكر.. أفتكر كل حاجة!
أنا مكنتش بشتغل في شركة.. أنا دكتورة وأخصائية نفسية، وكنت بكتب بقالي سنة “رواية رعب نفسية” عن طفلة ممسوسة بكيان خفي بتحاول تقتل أمها بكل الطرق دي!
بنتي مكنتش بتعمل كدة عشان في “كيان خفي” بيحركها.. الكيان الخفي ده كان “أنا”.. كان عقلي أنا!
بنتي شافتني وأنا بنفصل عن الواقع وبقرا السطور دي بصوت عالي في الليل.. شافتني وأنا بجرب في الأوضة الضلمة إزاي أمثل دور الضل عشان أعيش الحالة وأنا بكتب.. بنتي طفلة، وعقلها الصغير استوعب إن ده “اللعب” اللي ماما بتحبه.. إن دي الطريقة الوحيدة اللي تخلي ماما تهتم بيها وتبصلها وتتفاعل معاها، بعد ما اللاب توب والكتابة سرقوني منها! هي مكنتش بتقتلني كرهًا.. هي كانت بتنفذ السيناريو اللي أنا كتبته بإيدي، سطر بسطر، عشان ترضي “هوس” أمها!
وقبل ما عيني تقفل تماماً، لقيتها بتوطي عليا، وبتقولي ببراءة مرعبة وهي بتمسح دموعي: “أنا خلصت الجزء الأول من الرواية بتاعتك يا ماما.. مش أنتي اللي كتبتي إن الأم هتموت في الآخر؟!”

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *