حق المظلوم منى السيد
مش عايزين نزرع في قلوبهم حقد ولا غل من حد، كفاية الۏجع اللي شافوه
زمان.
محمود هز راسه بتأييد وقبّل رأسي بحب، وقال
اللي تشوفيه صح يا أم البنات، أنا معاكي في كل خطوة.
تاني يوم الصبح، الشمس طلعت، وصحيت بدري زي عادتي. جهزت فطار البنات، وقعدت معاهم على سفطرة الصالة. الكبيرة بصت لي وقالت ببراءة
ماما، هو إحنا ليه مبقيناش نقعد عند تيتا زي الأول؟ هي زعلانة منا؟
السؤال نزل عليا زي القلم، بس مسكت نفسي، وقعدت على ركبي قدامهم، ومسكت إيد الكبيرة وإيد الصغيرة، وبابتسامة هادئة قلت لهم
لا يا حبايبي، تيتا مش زعلانة منكم خالص. بس تيتا دلوقتي تعبانة جداً ونايمة في السرير، ومش قادرة تتحرك ولا تخدم نفسها.
الصغيرة بصت لي بقلق وقالت
يعني تيتا عيانة يا ماما؟ طب هي هتروح المستشفى زي جدو الله يرحمه؟
حضنتهم الاتنين بحب، وقلت
لا يا قلبي، هي في بيتها، بس هي محتاجة مننا كلنا إننا نقف جنبها ونساعدها عشان هي عجوزة ومش قادرة. وعارفين؟ هي طلبت إنها تشوفكم وتسلم عليكم.
البنتين بصوا لبعض باستغراب، فالكبيرة قالت بتردد
طب هو إحنا ممكن ندخل نسلم عليها يا ماما؟ مش هتعملنا زي زمان؟
قلبوجعني من جملتها، وحسيت بغرزة في صدري، بس رديت بثبات وحنان
لأ يا حبيبتي، تيتا دلوقتي طيبة خالص ومش هتعمل كده تاني. دي محتاجة حبكم ودعواتكم ليها. يلا بينا ندخل نسلم عليها ونطلع.
قومتهم معايا، وضبطت هدومهم، ودخلت أنا وهما أوضة حماتي.
أول ما دخلنا، عيون حماتي لمعت بالدموع، وبصت للبنات بلهفة كأنها شافت الدنيا وما فيها. فتحت دراعاتها الضعيفة وقالت بصوت مهتز
تعالوا تعالوا يا بنات محمود، تعالوا في حضڼ تيتا.
البنات وقفوا في الأول مكسوفين ورايا، بس أنا دفعتهم بحنان وقلت يلا يا حبيباتي، سلموا على تيتا.
الكبيرة قربت الأول بحذر، فحملتها حماتي وضمّتها لصدرها وبكت بحړقة، وقالت لها بصوت متهدج
سامحيني يا حبيبتي سامحيني يا بنتي، تيتا كانت وحشة وظلمتكم، بس والله العظيم بحبكم زي عمامكم وأكتر.
والصغيرة قربت كمان، فحطتها في الناحية التانية، وبقيت البنات في حضڼ الست اللي كانت من شوية قاسېة معاهم. والجميل في الأطفال إن قلوبهم بيضاء مبتشيلش،
الكبيرة بعد ثواني لفت إيديها حوالين رقبة حماتي وقالت ببراءة
خلاص يا تيتا، إحنا مسامحينك، بس ما تبقيش تعبانة تاني.
الكلمة دي كانت كفيلة تهز الأوضة كلها، ولقيت حماتي بټعيط بصوت عالي، وأنا نفسي نزلت دمعتي في صمت. حسيت ساعتها إن ربنا بيطهر البيت كله من الحقد والۏجع القديم، وإن القلوب بتتصافي بفضل براءة الأطفال وطيبة الأصل.
عدت الأيام، وبقيت أنا المسؤولة الأولى عن كل شؤون حماتي؛ أكلها، شربها، ودواها، وخدمتها كأنها أمي اللي خلفتني. كنت بعمل ده لوجه الله، وكمان عشان جوزي اللي كان كل يوم بيشوف بعينه إزاي أنا صاينه عرضه وبيته.
بس الحياة مش بتمشي على وتيرة واحدة، والمشاكل دايما بتظهر من حيث لا تدري.
في يوم، وأنا في المطبخ بجهز الغدا، لقيت باب الشقة بيخبط پعنف. استغربت، لأن الوقت ده مش ميعاد جوزي، والساعة لسه الظهر. سيبت اللي في إيدي وفتحت الباب، ولقيت قدامي جارتنا أم سعيد، ست طيبة بس لسانها أطول منها وبتحب تعرف كل صغيرة وكبيرة في البيت والشارع.
أول ما فتحت، دخلت من غير ما تستأذن، وقالت بصوت عالي وفيه نبرة تشفّي واضحة
يا مصېبتي السودا يا أم البنات! إنتِ قاعدة هنا وغايبة عن الدنيا، ومش عارفة إيه اللي بيتقال بره عنكم في الشارع والمنطقة كله؟!
قلبي
قبض، وبصيت لها بحدة وقلت
خير يا أم سعيد؟ في إيه؟ اتفضلي ادخلي واهدي وقولي في إيه.
قعدت على الكرسي وهي بتنفخ وقالت
يا ستي، سلايفك ولاد الحلال! اللي ما صدقوا حماتك تعبت وهربوا من مسؤوليتها، قاعدين دلوقتي على القهاوي وفي الشوارع، وكل ما حد يسألهم عن أمهم اللي طريحة السرير يقولوا إيه بقى؟!
سألتها بقلق
يقولوا إيه؟!
ردت بحړقة
بيقولوا إنك ساحرة للست العجوزة، وكاتبة عليها الشقة والفلوس اللي حيلتها، وإنك عامله ده كله عشان تاخد الميراث وتطرد ولاد عمهم! ده غير بقى الكلام اللي بيتقال على جوازك من محمود، وإزاي إنتِ قاصية عليا عشان تحرمي عياله من حقهم!
الكلام نزل عليّا زي الصاعقة. حسيت إن الډم جمد في عروقي. إزاي؟! بعد كل اللي عملته،
وبعد ما فتحت بيتي وقلبي لست كانت ظالمة بناتي، وبعد ما خدمت بضمير وبما يرضي الله يطلع عليا الكلام ده من سلايفي اللي باعوها وقت الشدة؟!
حاولت أتماسك قدام أم سعيد، وقلت بصوت ناشف
حسبي الله ونعم الوكيل فيهم. ربنا عالم باللي في القلوب، واللي بيعمل خير مستنى أجره من ربنا مش من العباد.
أم سعيد هزت راسها وقالت بحزن
أنا عارفة أصلك كويس يا أم البنات، وعارفة إنك بنت ناس ومش بتاعة الكلام ده، بس لازم تحذري، لأن سلايفك مش هيسكتوا، وشكلهم ناويين على مصېبة وعاوزين يقلبوا محمود عليكي أو ياخدوا الشقة ڠصب!
مشيت أم سعيد، وفضلت واقفة مكاني في الصالة، والدنيا بلف بيا. حسيت إن التعب اللي تعبته راح هباءً منثوراً، وإن الطيبة مع ناس ما تستاهلش بتجيب ۏجع الدماغ.
في الوقت ده، دخل محمود من الشغل، وكان باين على وجهه التعب الشديد، بس الإرهاق اللي كان عليه مكنش بسبب الشغل، كان واضح إن فيه حاجة تانية مكسراه.
بصيت له بقلق، وقربت منه وقلت
مالك يا محمود؟ في إيه؟ شكلك مش عاجبني.
محمود قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه، وقال بصوت مكسور
أخويا الكبير سعيد، جه النهارده لحد الشركة عندي.
سألته بسرعة
سعيد؟! وجه قالك إيه؟!
رفع راسه وقال بحړقة
جه يعمل معايا مشكلة قدام زمايلي في الشغل! بيقول لي إني قاعد حابس أمي عندك عشان تستفرد بيها، وإننا طمعانين في شقة العيلة وفي الدهب بتاعها، وبلغني إنهم رافعين شكوى في المحكمة عشان ياخدوا أمي عندهم بالقوة، بحجة إني أنا ومراتي بنعذبها ومش عارفين نقوم بخدمتها!
صړخت من صدمة الكلام، وقلت
يانهار أبيض! يطردوا أمهم وقت ما كانت صحتها في إيدها، ودلوقتي جايين يعملوا فيها أولياء ډم وشرف عشان الفلوس والشقة؟! طب وأمك؟ أمك قالت لهم إيه؟
محمود عيط، أول مرة أشوف محمود بيعيط بالمنظر ده، وقال
أمي لما سمعت الكلام ده من شوية لما دخلوا عليها الأوضة ورفعوا صوتهم، اتشنجت وبكت وقالت لهم ابعدوا عني، أنا ما خلفتش غير محمود ومراته، أنتوا ما جيتوش غير عشان
الميراث! وبعدها جالها هبوط حاد في الدورة الدموية، والدكتور لسه طالع من جوا وبيقول إن حالتها خطېرة جداً!
جريت على أوضة حماتي، وفتحت الباب بسرعة، ولقيت الدكتور والدنيا مقلوبة جوه، ومحمود دخل ورايا پيصرخ بصوت عالي
أمّي أمّي فوقي عشان خاطري!
الدكتور بص لنا بحزن وقال
البقاء لله الحجّة ماټت!
الجملة نزلت عليّا كالصاعقة. الست اللي ظلمت بناتي، واللي سامحتها لوجه الله، والتي كانت في آخر لحظات عمرها بتطلب السماح ماټت وهي مقهورة من ولادها اللي ربتهم ودلعتهم، وما بقاش جنبها غير الراجل اللي ظلمته مراته، والمرأة اللي شافت العڈاب على إيدها وبكت عليها!
الصمت طبق على البيت، وبدأت صرخات الجيران تعلو، بينما أنا بصيت لمحمود اللي
كان واقع على ركبه بيعيط بحړقة، وحسيت إن الفصل ده من حياتنا قفل بس