خطيبة طليقي

الفصل الأول
مية ألف جنيه في ساعة واحدة
“إنتِ عارفة الحساب كام يا نهى؟”
رفعت عيني من على الفاتورة، وبصيت قدامي على الرقم اللي مكتوب تحتها.
99,870 جنيه.
قربت الفاتورة مني أكتر، وكأني مش مصدقة اللي شايفاه.
لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش في الرقم…
الصدمة كانت في الشخص اللي واقف قدامي، وبيمد إيده بالفيزا بمنتهى البرود.
طارق… أبو ولادي.
الراجل اللي بقاله تلات سنين ما دفعش جنيه واحد في مصاريف عياله.
قلت له وأنا ببص للكارت:
“إنت جاي تشتري كل ده؟”
ابتسم وقال:
“آه… تجهيزات البيت.”
بصيت جنبه.
كانت واقفة خطيبته الجديدة، “رنا”.
واحدة أنا عمري ما شفتها قبل كده.
قال لها:
“اختاري اللي يعجبك.”
وأنا واقفة مكاني، حسيت بحاجة بتخبط جوا صدري.
مش غيرة.
ولا زعل إنه بيتجوز.
أنا كنت منفصلة عنه من تلات سنين، وكل واحد فينا بقى له حياته.
لكن اللي وجعني…
إني افتكرت أولادي.
“آدم” و”عمر”… التوأم اللي عندهم عشر سنين.
و”ليان”… بنتي الصغيرة اللي عندها تمن سنين.
افتكرت آخر مرة كلمته فيها عشان مصاريف المدرسة.
قال لي:
“والله يا نهى الظروف صعبة.”
افتكرت لما ابني احتاج علاج.
قال:
“إنتِ معاكي المحل.”
افتكرت لما طلبت منه فلوس لشراء هدوم المدرسة.
قال:
“دبريها الشهر ده وأنا أشوف.”
والشهر ده بقى تلات سنين.
تلات سنين وأنا اللي بدفع.
أنا اللي بشتغل.
أنا اللي أجيب.
أنا اللي أودي المدرسة.
أنا اللي أروح للدكتور.
أنا اللي أصحى بالليل لو حد فيهم تعب.
أما هو…
فكان عنده حياة تانية.
والنهارده واقف قدامي، وفي ساعة واحدة، بيجهز بيته الجديد بحوالي مية ألف جنيه.
قال لي:
“اسحبي من الفيزا.”
بصيت له.
وقلت:
“طارق… هو إنت معاك فلوس؟”
اتوتر.
“يعني إيه؟”
قلت:
“يعني لما ولادك كانوا محتاجين، كنت مش قادر.”
سكت.
كملت:
“ولما المدرسة طلبت المصاريف، كنت مش قادر.”
“ولما بنتك احتاجت حاجات، كنت مش قادر.”
“لكن النهارده… فجأة بقيت قادر تدفع مية ألف جنيه؟”
رنا بصت له.
هو اتضايق وقال:
“نهى، إحنا جايين نشتري. مش جايين نفتح حساب قديم.”
ضحكت بسخرية.
وقلت:
“الحساب القديم ده اسمه ولادك يا طارق.”
رنا بصت لي، وبعدين بصت له.
وقالت بهدوء:
“هو فعلًا ما بيدفعش مصاريف ولاده؟”
طارق رد بسرعة:
“طبعًا بدفع.”
بصيت له.
وقلت:
“بتدفع إمتى؟”
ما ردش.
قلت:
“آخر مرة دفعت فيها كام؟”
سكت.
رنا بدأت تبص له باستغراب.
قال بعصبية:
“نهى، بطلي تحرجيني.”
رديت عليه:
“أنا؟”
وضربت بإيدي على الفاتورة.
“إنت مش مكسوف إنك بتدفع مية ألف في ساعة، وأولادك بقالهم تلات سنين مستنيين منك مسؤوليتك؟”
وشه احمر.
ورنا بدأت تفقد ابتسامتها.
قالت:
“طارق… الكلام ده حقيقي؟”
رد:
“دي مشاكل قديمة بيني وبين نهى.”
قالت:
“أنا بسألك سؤال.”
سكت.
قالت:
“إنت بتصرف على أولادك؟”
ما ردش.
ساعتها أنا حطيت الفيزا على الترابيزة.
وقلت:
“أنا مش هاخد منك جنيه واحد.”
طارق استغرب.
“يعني إيه؟”
قلت:
“ولا الفلوس دي ولا غيرها.”
“لكن من النهارده… أنا هطلب حق ولادي.”
ضحك باستهزاء.
“هتعملي إيه يعني؟”
بصيت له في عينه.
وقلت:
“هعمل اللي كان لازم أعمله من أول يوم.”
“هرفع قضية نفقة.”
سكت المكان كله.
طارق بص لي كأنه أول مرة يشوفني.
ورنا كانت بتبص له بطريقة مختلفة تمامًا.
قال:
“إنتِ بتهدديني؟”
قلت:
“لأ.”
“أنا ببلغك.”
خرج غاضبًا، ورنا خرجت وراه.
لكن قبل ما تركب العربية، رجعت تاني.
دخلت المحل لوحدها.
وقفت قدامي ثواني.
وقالت:
“نهى… ممكن أسألك سؤال؟”
قلت:
“اتفضلي.”
قالت:
“هو بيقول إنك ميسورة ومش محتاجة فلوس.”
ابتسمت.
وقلت:
“أنا فعلًا مش محتاجة فلوسه.”
سكت.
وبعدين قلت:
“لكن ولاده محتاجين أبوهم.”
رنا نزلت عينيها.
وقالت:
“أنا آسفة.”
قلت:
“إنتِ مالكيش ذنب.”
هزت راسها ومشيت.
كنت فاكرة إن الحكاية انتهت عند كده.
لكن بعد حوالي ساعتين…
موبايلي رن.
رقم رنا.
رديت.
سمعتها بتتكلم بصوت متوتر:
“نهى… أنا اكتشفت حاجة.”
قلت:
“حاجة إيه؟”
قالت:
“طارق مش صادق معاكي.”
قلبي دق بسرعة.
قلت:
“في إيه؟”
قالت:
“أنا لقيت ورق في عربيته.”
سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
“ورق لو شوفتيه… هتعرفي إن موضوع المية ألف جنيه ده مش أكبر مفاجأة.”
قلت:
“ورق إيه؟”
ردت بصوت منخفض:
“تحويلات بنكية… ومبالغ كبيرة.”
سكت.
ثم قالت:
“وفي تحويل واحد بالذات… قيمته أكبر من كل اللي صرفه النهارده.”
وقتها حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
لأن السؤال ما بقاش:
“ليه طارق ما بيصرفش على ولاده؟”
السؤال بقى:
“هو كان بيصرف فلوسه فين طول التلات سنين؟”
الكتابة
الفصل الثاني
السر اللي قلب كل حاجة
تاني يوم، رنا طلبت تقابلني.
قعدنا في مكان هادي.
وأول ما شافتني، فتحت شنطتها وطلعت ملف.
حطته قدامي.
وقالت:
“أنا آسفة إني دخلتك في الموضوع… بس بعد اللي شوفته، ما قدرتش أسكت.”
فتحت الملف.
تحويلات بنكية.
إيصالات.
حسابات.
وأرقام.
أرقام أنا عمري ما شفتها في حياتي.
بصيت لها.
“إيه ده؟”
قالت:
“فلوس طارق.”
قلت:
“يعني إيه؟”
قالت:
“يعني الراجل اللي قال لك إنه مش قادر يصرف على ولاده… كان بيحوش.”
بصيت لها باستغراب.
قالت:
“مش بس بيحوش.”
وقلبت صفحة.
“ده كان بيحوّل مبالغ كل شهر لحساب تاني.”
قلت:
“حساب مين؟”
سكتت.
وبعدين قالت:
“دي المفاجأة.”
طلعت ورقة تانية.
اسم ست.
مش اسمي.
ومش اسم أمه.
ومش اسم أخته.
اسم واحدة تانية.
قلت:
“مين دي؟”
رنا قالت:
“مش عارفة.”
“بس أنا عرفت حاجة أخطر.”
سألتها:
“إيه؟”
قالت:
“التحويلات دي بدأت قبل ما يعرفني بوقت طويل.”
سكتنا إحنا الاتنين.
وبعدين قلت:
“يبقى الموضوع مش فلوس وبس.”
هزت راسها.
“بالضبط.”
في نفس اليوم، أنا ما ضيعتش وقت.
رحت للمحامي.
حطيت قدامه كل إيصالات المدارس والعلاج والمصاريف اللي دفعتها خلال السنين اللي فاتت.
وقلت:
“أنا عايزة حق ولادي.”
قال:
“وهنطالب بيه.”
وبالفعل بدأت الإجراءات.
طارق أول ما عرف، الدنيا قامت عنده.
اتصل بيا:
“إنتِ عملتيها بجد؟”
قلت:
“آه.”
قال:
“بعد تلات سنين؟”
قلت:
“أيوه.”
“ومش هتراجعي؟”
قلت:
“لأ.”
قال بعصبية:
“إنتِ هتندمي.”
رديت بهدوء:
“أنا ندمت قبل كده.”
“لما سكت.”
وقفل.
لكن اللي ما كانش يعرفه…
إن رنا كانت بتدور ورا الحقيقة.
وبعد أيام، اتصلت بيا وهي بتعيط.
قلت:
“في إيه؟”
قالت:
“أنا فسخت الخطوبة.”
اتصدمت.
“ليه؟”
قالت:
“لأني اكتشفت مين طارق الحقيقي.”
وبعدين قالت:
“الست اللي في التحويلات… مش مجرد واحدة غريبة.”
سكتت.
قلت:
“مين؟”
قالت:
“مراته.”
قلت:
“إيه؟!”
قالت:
“هو كان متجوز واحدة تانية قبل كده… ومخبي عني الموضوع.”
اتضح إن طارق كان له زواج سابق قصير، وانتهى بمشاكل مالية كبيرة، وكان بيحوّل فلوس بشكل منتظم لتسوية التزامات قديمة مرتبطة بالزواج ده.
لكن حتى مع كل ده…
كان عنده دخل يسمح له يساهم في مصاريف أولاده.
ومع ذلك اختار إنه يتهرب.
رنا قالت:
“أنا ما كنتش هعرف حاجة لو ما شفتش الفاتورة بتاعة المحل.”
قلت:
“يعني المية ألف جنيه هم اللي كشفوا كل ده؟”
قالت:
“أيوه.”
وبعدين ضحكت ضحكة حزينة.
“هو كان فاكر إن أكبر مشكلة عنده إنك هتطلبي نفقة.”
“ما كانش عارف إن تصرفاته هي اللي هتكشفه.”
بعد فترة، بدأت القضية تاخد مجراها.
والحكم صدر بإلزامه بالنفقة والمصاريف المستحقة لأولاده، وفقًا لما ثبت للمحكمة من احتياجاتهم وقدرته المالية.
وأول مرة استلمت فيها فلوس ولادي…
ما حسيتش إني انتصرت على طارق.
حسيت إني أنصفت أولادي.
رجعت البيت.
لقيت آدم وعمر بيتخانقوا على الريموت.
وليان قاعدة على الأرض بتلون.
ضحكت.
وبصيت لهم.
وقلت:
“الحمد لله.”
مش عشان الفلوس.
لكن عشان أخيرًا بقي فيه حد تاني شايل جزء من المسؤولية.
بعد كام شهر، قابلت رنا صدفة.
قالت لي:
“أنا كنت فاكرة إني خسرت لما فسخت الخطوبة.”
ابتسمت.
قلت:
“يمكن ربنا أنقذك.”
قالت:
“يمكن.”
وبعدين ضحكت وقالت:
“بس عارفة إيه أكتر حاجة وجعت طارق؟”
قلت:
“إيه؟”
قالت:
“إنك ما أخدتيش حقك منه عشان تنتقمي.”
“إنتِ أخدتي حق ولادك وبس.”
سكت.
لأنها كانت عندها حق.
أنا ما كنتش عايزة أرجع له.
ولا كنت عايزة أضيّق عليه.
ولا كنت عايزة أفسد جوازه.
أنا كنت عايزة حاجة واحدة بس…
إن ولادي ما يكبروش وهم فاكرين إن أبوهم كان قادر يساعدهم واختار ما يعملش.
ومن يومها، كل ما أفتكر الفاتورة اللي كانت بـ99,870 جنيه…
ما بفتكرش المية ألف.
بفتكر السؤال اللي غيّر حياتي:
“إزاي واحد مش قادر يصرف على ولاده… قادر يجهز بيت جديد في ساعة؟”
والإجابة كانت أقسى مما توقعت:
هو ما كانش عاجز.
هو بس كان بيختار يصرف فلوسه فين.
وأنا أخيرًا…
خلّيت اختياره ده ما يبقاش على حساب ولادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *