أسـ.ـيرة الهواري
مصعب اتنرفز، مسك إيدها بقوة خلت القهوة تدلق على إيده وهو مش حاسس بالوجع من كتر الغيظ: — “انتي فاكرة إنك بكلمتين هتكسري هيبتي قدام حريمي؟ اطلعي على فوق.. ومشوفش وشك في المطبخ ده تاني، أكلك وشربك هيجيلك لحد عندك، كأنك ميتة ومستنية الدفن.”
صبا بصت لإيده اللي اتلسعت من القهوة، ملامحها اتغيرت للحظة، وبحركة مكنش متوقعها، سحبت إيده وبدأت تمسحها بطرف شالها وهي بتهس بصوت واطي مسمعوش غيره: — “إيدك اتلسعت يا مصعب.. والوجع اللي في قلبك لسه مأثر عليك. اهدى، النار مابتحرقش غير اللي بيمسكها. أنا طالعة، بس مش عشان خايفة، عشان القهوة باظت.. ومرارة قلبك كفاية عليك الصبح.” سابت إيده وسابت الكل واقف في صدمة. مصعب فضل باصص لإيده، ريحة ريحتها (مسك وعنبر) لسه في الشال، وكلمتها رنت في ودنه. “هنادي” حاولت تتكلم: — “شفت يا مصعب؟ شفت قلة الأدب؟” مصعب لف لها بعين حمرا، وزعق بصوت هز المطبخ: — “حسكم عينكم حد يدخل بيني وبينها! دي “مراتي” وليا حساب معاها، اللي هتفتح بوقها بكلمة هقطع لسانها.. مفهوم؟” خرج مصعب للديوان، بس باله مكنش مع الناس. كان بيفكر في البنت دي.. إزاي قوية كده؟ إزاي عينيها فيها عزة نفس وهي “مكسورة” الجناح ووحيدة في وسطهم؟
ليل نجع الهوارة كان دايمًا هادي، بس في جناح مصعب كانت النار قايدة من غير حطب. دخل مصعب الجناح وهو شايل حمل الدنيا فوق كتافه، رمى شاله على الباب وهو ناوي يفرغ غله كله في صبا. بس أول ما خطى عتبة الأوضة، وقف مكانه. ريحة المكان اتغيرت.. مابقتش ريحة السجاير المكتومة والتراب، بقت ريحة “بخور عدني” وعطر هادي يخلي الأعصاب تسترخي غصب عنها. الأوضة اللي كانت عبارة عن “مخزن” لواحد عايش عشان يقت,ل وبس، اتغيرت. السجاد مفروش بنظام، هدومه اللي كانت بتترمي بإهمال مترتبة فوق السرير، وصبا.. صبا كانت قاعدة على الكرسي الهزاز، ماسكة كتاب في إيدها، ولابسة جلابية بيت بيضا حرير، وساترة شعرها بطرحة خفيفة. مصعب بصلها وعيونه بتلمع بغضب مكتوم: — “مين اللي أذن لك تمدي يدك في حاجتي؟ ومين قالك إني عايز أشم الروائح دي هنا؟ أنا أوضتي تفضل زي ما هي، سامعة؟” صبا قفلت الكتاب بهدوء، وقامت وقفت قصاده. كانت أقصر منه بكتير، بس وقفتها كانت بتحسسه إنها هي اللي مالكة المكان: — “حاجتك هي حاجتي يا ولد الهواري، والدار اللي مفيهاش ريحة ست، تبقى قبر.. وأنا لسه حية، ومحبش أعيش في قبور.” قرب منها مصعب بخطوات سريعة لحد ما حاصرها بينه وبين الحيطة، حط إيديه الاتنين حواليها وسند على الحيطة، وهمس بصوت زي فحيح الأفاعي: — “انتي بتلعبي بالنار يا صبا.. فاكرة إنك لما ترتبي الأوضة وتفتحي البخور هنسى إنك بت المحمدي؟ هنسى إن دم أخوي في رقبة أهلك؟” صبا منزلتش عينها، بل بالعكس، قربت وشها منه أكتر لحد ما أنفاسهم اختلطت، وقالت بكلمات تقطر ثقة: — “مانسيتش.. وعمري ما هنسى. بس أنا هنا عشان أطفي النار دي، مش عشان أزودها. وبعدين يا مصعب.. أنت خايف من إيه؟ خايف ترتاح؟ خايف ريحة البخور تنسيك قسوتك وتفكرك إنك بني آدم؟” مصعب قبض إيده على الحيطة بقوة لدرجة إن مفاصل صوابعه بيضت: — “أنا مابخافش! واعرفي مقامك كويس.. أنتي هنا “سد خانة” وبس.” صبا رفعت إيدها وبمنتهى الجرأة حطتها على صدره، ناحية قلبه، وقالت بصوت واطي ومبحوح: — “لو كنت سد خانة، مكنش قلبك دق الدق ده كله أول ما شوفتني.. أنت “خايف” مني يا مصعب، خايف عشان أنا الوحيدة اللي قادرة أبص في عينك ومأغمضش، والوحيدة اللي قادرة تلمس الحتة اللي أنت حابسها جوه.” مصعب اتنفض كأن كهربا لمسته، مسك إيدها وبعدها عنه بعن.ف، بس عينه كانت بتقول كلام تاني خالص.. كان فيها لمعة “رغبة” متخانقة مع “غل”. — “انزلي هاتيلي وكل (أكل).. وبلاش كتر حديد، ليلتك مش هتعدي لو فكرتي إنك ملكتيني.” صبا ابتسمت ابتسامة نصر خفيفة وهي ماشية ناحية الباب: — “الوكل جاهز في المطبخ، ملوخية ناشفة بالتقلية اللي بتحبها.. أصل سألت أمك وعرفت إنك مابتاكلش غيرها لما تكون “مهموم”.” خبطت الباب وراها وسابته يغلي.. مصعب رمى نفسه على السرير، ودفن وشه في المخدة اللي كانت ريحتها “هي”.. ضر,ب السرير بإيده وهو بيشتم نفسه: — “يا مري.. البت دي هتركبني وتدلدل رجليها ولا إيه؟ دي واكلة عقلي بلسانها!” الهدوء اللي كان في الجناح انقطع بصوت ضر,ب نا,ر حيّ زلزل أركان النجع. صرخات الرجالة بره وصوت الخيل وهي بتصهل خلى “مصعب” ينتفض من مكانه زي الفهد. سحب بندقيته الآلية من فوق الدولاب، وعمره ما كانت إيده بتترعش، بس المرة دي عينه جت على “صبا” اللي واقفة عند الباب. مصعب بصوت يرعب: — “ادخلي جوه واقفلِي عليكي بالمفتاح.. “المطاريد” هجموا على النجع، ولو حد عتب عتبة الدار دي، اضر,بي في المليان بالمسدس اللي في الدرج، سامعة يا صبا؟” صبا وشها شحب بس متهزتش، قربت منه ومسكت دراعه بقوة: — “خلي بالك من نفسك يا ولد الهواري.. اللي يكسر القسوة بالحب، ملوش حق يمو,ت دلوقت.” بصلها نظرة أخيرة، نظرة فيها وداع وخوف وحاجات كتير هو نفسه مش فاهمها، وجري لبره. المعركة كانت حامية، الرصاص زي المطر، ومصعب في نص النا,ر بيضر,ب بقلب مي,ت. فجأة، لمح خيال بيتحرك من ورا السور الداخلي للجنينة.. حد من المطاريد قدر يتسحب وعاوز يدخل البيت من باب المطبخ.ماياخالد قلب مصعب سقط في رجله، ساب المعركة بره وجري بجنون ناحية البيت وهو بيصرخ: — “صبااااااااااااا!” دخل المطبخ والدم بيغلي في عروقه، كان متوقع يشوفها مقتولة أو مخطوفة، بس اللي شافه خلاه يثبت مكانه من الذهول. صبا كانت واقفة ورا “التربيزة” الكبيرة، وفي إيدها سكين دبح كبيرة، والراجل اللي حاول يقتحم البيت واقع تحت رجليها بيصرخ وماسك رجله اللي غرقانة دم، وهي حاطة السكينة على رقبته وبتقول بصوت واطي ومخيف: — “اللي يدخل دار الهوارة من غير إذن، يخرج منها من غير روح.. قولتلك يا مصعب، أنا مش ضعيفة.” مصعب قرب منها وهو بينهج، شد السكينة من إيدها وهو بيترعش.. لأول مرة “الغول” إيده تترعش. مسك كتافها وهزها بعن.ف وهو بيزعق: — “انتي مجنونة؟ كان ممكن يقت,لك! كان ممكن تروحي مني يا صبا!” صبا بصت له، ولأول مرة شافت “دموع” محبوسة في عين مصعب الهواري. رفعت إيدها ولمست وشه بهدوء: — “خفت عليا يا مصعب؟ خفت على “الدية” اللي سددت دم أخوك؟” مصعب ساب البندقية تقع منه على الأرض، وشدها لحضنه بقوة كأنه بيحاول يخبيها جوه ضلوعه، ودفن راسه في رقبتها وهو بيقول بصوت مكتوم ومنكسر: — “ملعون أبو الدم، وملعون أبو الثأر.. أنتي لو جرا لك حاجة كنت حرقت النجع باللي فيه. أنتي مابقتيش دية يا صبا.. أنتي بقيتي النفس اللي طالع وداخل مني.” صبا في اللحظة دي عرفت إنها انتصرت. مش بالسلاح، ولا باللسان.. انتصرت لما خلت الراجل اللي مبيخافش من المو,ت، يترعب من فكرة غيابها. بعد ليلة المطاريد، النجع كله كان بيتحدث عن “بنت المحمدي” اللي وقفت وقفة رجالة، بس الخبر وصل لعيلتها بشكل تاني.. وصلهم إن مصعب الهواري بيذلها وأنه رماها في المطبخ تخدم، وده كان العذر اللي استناه “سلطان المحمدي”، أخو صبا الكبير، عشان يكسر الصلح ويرجع يفتح بحر الدم.