سر دفين
جوزي رماني حافية في طريق سريع غرقان من المطر…لانه كان مفكر أن السم اللي عطاهولي هيموتني بسرعه ومحدش هيسأل عليا خاصة أنه مفهم الكل إني حاولت أنتحر كذا مرة.
لكن ميعرفش أن بعد خمس سنين وبعد ما عاش حياته على إني مش موجودة هيلاقيني واقفة قدامه
سليمة، هادية، وواقفة على رجليّ… والأهم من كل ده: انى لسه عايشة
الكوباية وقعت من إيده واتكسرت تحت رجليه.
لكن أحمد ماكانش يعرف إن الست اللي سابها تموت في الليلة دي… رجعت بعد خمس سنين، ومعاها الحقيقة الوحيدة اللي ممكن تدمّره.
الليلة دي، المطر كان بينزل بعنف على العربية لدرجة إني كنت بالعافية سامعة صوت أحمد وسط دوشة العاصفة.
كنت متكوّرة جنب باب العربية، جسمي مولّع من السخونية، وإيدي ضاغطة على بطني اللي كانت بتتقطع من المغص، وأنا لابسة سويت شيرت واسع فوق هدومي اللي كنت نايمة بيها.
بصيت له بصعوبة وقلت بصوت واطي:
— أحمد… المستشفى في الاتجاه التاني.
ما ردش.
فضل مركز عينه في الطريق، وخاتم جوازه كان بيلمع كل شوية مع كل ومضة برق.
وبعدين قال ببرود:
— أنا مش قادر أكمل كده.
بصيت له وأنا مش فاهمة:
— يعني إيه؟
رد من غير حتى ما يتردد:
— يعني إنتِ… الدكاترة… المصاريف… نوبات الخوف بتاعتك… مرضك… عياطك… أنا تعبت من كل ده!
فضلت ساكتة.
تلات سنين وأنا بدافع عنه قدام كل الناس.
كنت دايمًا أقول:
“أحمد تعبان… خايف يخسرني… مش عارف يتصرف من الخوف.”
لكن اللي شوفته في وشه الليلة دي ماكانش خوف.
كان قرف وكره واستياء.
وفجأة العربية وقفت على جنب الطريق، وسط الطين والمطر.
بصيت له وأنا بحاول أتنفس:
— أحمد… أنا حتى مش قادرة أمشي.
مغص شديد ضرب بطني، ومديت إيدي أمسك دراعه.
لكنه سحب دراعه بسرعة، كأن مجرد لمستي ليه حاجة مقززة.
قلت له وأنا بترجاه:
— والنبي اتصل بالإسعاف…
لكنه بدل ما يطلع تليفونه، فتح باب العربية ونزل وسط المطر.
لف ناحية بابي.
فتحه.
وفك حزام الأمان.
وبعدين… سحبني من العربية.
رجلي الحافية لمست الزلط، وفي اللحظة نفسها ركبي خانتني ووقعت في الطين.
المطر الساقع كان بيغرق هدومي، والألم كان منتشر في جسمي كله.
رفعت عيني له وقلت بصوت شبه هامس:
— إنت كده هتقتلني…
كنت ببص للرجل اللي كنت في يوم من الأيام مأمنة له على حياتي كلها.
المطر كان بينزل على وشه زي الدموع…
لكن أحمد ماكانش بيعيط.
قال بمنتهى البرود:
— إنتِ أصلاً بتموتي.
سكت لحظة، وبعدين قال:
— وأنا خلاص… مش مستعد أموت معاكي.
رجع العربية، قفل الباب، ودور الموتور.
وأنا زحفت وراه على الأرض، وبصرخ باسمه لحد ما صوتي اتبح.
ولثانية واحدة بس، عيوننا اتقابلت من خلال إزاز العربية اللي المطر كان مغطيه.
فضلت أدور في عينيه على جوزي اللي كنت أعرفه.
لكن…
كان اختفى خلاص.
صوت الموتور علا، والعربية اتحركت.
نور الفوانيس الخلفية اختفى تدريجيًا وسط ضلمة الطريق والمطر.
وسابني هناك.
من غير تليفون.
من غير جزمة.
من غير شنطة.
ومن غير تقريبًا أي قوة أقدر أقاوم بيها.
بعد حوالي خمس دقايق، ظهر نور عربية من بعيد وسط العاصفة.
عربية نقل قديمة محملة بالخضار وقفت جنبي.
السواق نزل بسرعة، ولما قرب اكتشف إن الجسم اللي شايفه مرمي في الطين… ست.
كان اسمه عم رجب.
عم رجب قال بعد كده إنه في البداية افتكرني كيس زبالة أو حاجة مرمية على جنب الطريق.
لحد ما شاف إيدي بتتحرك.
جري عليّ.
حاول يسألني إيه اللي حصل.
حاولت أتكلم…
لكن ماقدرتش أقول غير كلمتين:
— جوزي…
وبعدها الدنيا اسودت قدام عيني.
لما فتحت عيني تاني، لقيت عم رجب بيحاول يغطيني بجاكت بتاعه، ووشه مليان رعب وهو بيبص للكدمات المنتشرة على دراعاتي.
المستشفى كانت بعيدة، والطريق غرقان بسبب المطر.
فعم رجب أخدني عند واحدة اسمها الحاجة فاطمة، صاحبة مطعم صغير على الطريق، وكانت معروفة إنها عمرها ما بتسيب حد محتاج من غير مساعدة.
خبط على بابها الخلفي.
فتحت له وهي لابسة روب البيت، وكانت في الأول مستعدة تزعق له بسبب الوقت المتأخر.
لكن أول ما شافتني…
ملامح وشها اتغيرت.
قالت بسرعة:
— دخّلها جوه!
دخلني، وبدأت تساعدني.
ولما حاولت تشيل السويت شيرت المبلول من عليّ، إيديها وقفت فجأة.
كانت شايفة الكدمات.
بعضها جديد…
لكن بعضها كان واضح إنه بقاله أسابيع.
مع طلوع الشمس، حرارتي كانت عدّت الـ103 درجة.
وساعتها وصلت دكتورة متقاعدة اسمها دكتورة نادية، كانت ساكنة قريب من الحاجة فاطمة.
دخلت الأوضة وبدأت تكشف عليّ.
وقبل ما توصل، كنت مسكت إيد الحاجة فاطمة وقلت لها وأنا منهارة:
— هو قال إني غالية أوي عليه عشان يفضل يصرف عليا وأفضل عايشة.
الحاجة فاطمة بصت لي في صدمة.
لكن دكتورة نادية كانت مركزة في حاجة تانية.
بدأت تفحص الأعراض، وبعدين ركزت على آثار الأدوية اللي كانت لسه موجودة في جسمي.
ملامح وشها بدأت تتغير.
وببطء، القلق ظهر في عينيها.
قالت:
— إنتِ فعلًا مريضة…
الحاجة فاطمة ردت بتوتر:
— أيوه، أنا عارفة إنها مريضة.
لكن الدكتورة نادية ما بصتش لها.
فضلت عينيها عليّ.
وقالت بهدوء:
— بس المرض مش هو الحاجة الوحيدة اللي كانت بتدمّرها.
الحاجة فاطمة قربت منها:
— تقصدي إيه يا دكتورة؟
الدكتورة نادية سكتت لحظات، وبعدين قالت:
— أنا شاكّة إن في حد كان بيحط مادة معينة في دواها.
اتجمدت الحاجة فاطمة مكانها.
أما أنا…
فما كنتش فاهمة.
مين ممكن يعمل فيا كده؟
وليه؟
لكن دكتورة نادية كانت بدأت تفهم الصورة.
والحقيقة اللي اكتشفتها كانت أخطر بكتير مما تخيلت.
لأن مرضي يمكن ماكانش مرض طبيعي من الأساس.
والأخطر من كده…
إن الشخص اللي كان بيحط المادة دي في علاجي، كان عنده سبب يخليه متأكد إني مش هعيش لوقت طويل.
لكن أحمد ماكانش عامل حساب لحاجة واحدة…
إن الست اللي سابها تموت في نص الطريق…
هتعيش.
وهترجع.
ومش هترجع لوحدها…
هترجع ومعاها السر اللي ممكن يهد كل حاجة بناها.