بابا التاني1

لقيت بنتي اللي عمرها 10 سنين داخله بتجري بتنادي عليا وهي مرعوبة وبتقولي:
“ماما.. بابا هنا!”
بصتلها وأنا مستغربة، وقلت بفرحة:
“بجد؟ بابا رجع من السفر؟ كان قايل إنه هييجي بكرة.”
لقيتها ماسكة في هدومي وبتقولي بخوف:
“لا يا ماما… اللي جه برة بابا التاني، مش بابا اللي عايش معانا.”
اتجمدت مكاني.
بصيت في عينيها، وقلبي بدأ يدق بسرعة.
“بابا التاني؟!”
هزت راسها وهي بتعيط، وقالت:
“أيوه… بابا اللي شوفته مرة في الصورة”
الكلمة دي رجعتني سنين لورا…
أنا هبه كنت متجوزة والد بنتي “مرام” وابني “مازن” خمس
كان عنده شقه صغيرة ومحل وارثهم من باباه، كنت حامدة ربنا وعايشه ومبطلبش حاجة فوق طاقته
في البداية كان جوازنا عادي، وبعدين ربنا رزقنا ببنتنا، وبعدها بسنتين جه ابني.
لكن جوزي بدأ يتغير.
بقى طول الوقت بره البيت، عصبي، ومشغول وكان بيستغل ان والدي متوفي ومش هقدر اتكلم وآني هستحمل لان كل واحد من اخوتي مشغول بحياته وعمري ما هتقل عليه.
لحد ما في يوم فاجئني إنه عايز يطلق وانه مش مستحيل العيش معايا.
حاولت أفهم منه السبب، لكنه كان خلاص أخد قراره.
مأثرش فيه توسلاتي وانى مستعدة أعيش حتى لو هو عايز يتجوز عليا بس يسيبني اربي ولادي.
كان قلبه جاحد وقاسي ورفض بكل جبروت وقالي: لا أنا عايز أعيش حياتي مع اللي قلبي اختارها.
ولما سألته عن ولاده قالي: بيل او من غير هيتربوا ولا اقولك اعتبريني مت.
الكلمة صدمتني وكسرت قلبي أكتر من عملته، طب أنا مش مهم لكن والده ذنبهم ايه؟
أنا عشت اليتم وعشان كده كنت بحارب عشان ولادي ميحسوش بيه.

وبعد الطلاق بفترة قصيرة، اتجوز واحدة تانية، اتاريه كان ماشي معاها بقاله فترة
وقتها كنت فاكرة إن حياتي انتهت.
طلعت من بيته بولادي وتمن قايمتى بعد ما ولاد الجبال حكموا بكده مادام هو اللي بايع.
اخدت الفلوس واجرت شقه صغيرة اوضة وصاله وجبتي فرس بسيط ماهو مفيش حد بيستحمل حد في الزمن ده.
بدأت أدور على شغل لغاية مالقيت شغل في مغسلة ولما صاحبها عرف ظروفي قالي انت هتسلمي الزبائن شغلهم النضيف وتستلمي الحاجه اللي عايزه تتغسل.
لكن في يوم حصلت حاجة غريبة جداا قالت حياتي كلها
لكن في يوم حصلت حاجة غريبة جدًا… غريبة لدرجة إني لحد النهارده لما أفتكرها، جسمي بيقشعر.
كان آخر اليوم، والناس بدأت تيجي تستلم هدومها، وأنا واقفة براجع الفواتير وبسلم كل زبون حاجته.
دخل راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة بسيطة، ومعاه جاكت أسود شكله غالي.
مد إيده بالورقة وقال: — «الجاكت ده جاهز؟»
بصيت في الورقة، وبعدين على الجاكت اللي كان متعلّق قدامي.
— «أيوه، ثانية واحدة.»
نزلته من الشماعة وبدأت أراجع الجيوب قبل ما أسلمهوله، ودي كانت عادة عندي عشان ساعات الزباين بينسوا حاجات جوه الهدوم.
وفجأة… إيدي لمست حاجة صلبة جوه الجيب الداخلي.
طلعتها.
كانت مفتاح صغير قديم، ومعاه ورقة مطوية بعناية.
استغربت، وكنت هحطهم على الترابيزة عشان أسلمهم له، لكنه أول ما شاف الورقة في إيدي اتغير وشه.
قرب مني بسرعة وقال: — «الورقة دي… لقيتيها فين؟»
اتوترت وقلت: — «في جيب الجاكت.»
مد إيده ياخدها، لكن قبل ما يلحق… الورقة وقعت مني واتفتحت.
وللحظة، عيني جت على أول سطر.
كان مكتوب:
«إلى ابني… لو حصل لي حاجة، لازم تعرف الحقيقة.»
وقفت مكاني.
الراجل خطف الورقة من إيدي، ووشه بقى شاحب بشكل يخوف.
قلت له: — «حضرتك… الورقة دي مهمة أوي؟»
رد بصوت متقطع: — «إنتِ ماقريتيش حاجة، صح؟»
هزيت راسي وأنا مش فاهمة.
خرج بسرعة من المغسلة، من غير حتى ما ياخد الجاكت.
ومن يومها وأنا مش عارفة ليه الموضوع فضل في دماغي.
بعد كام يوم، وأنا في الشغل، لقيت نفس الراجل داخل تاني.
المرة دي ماكانش جاي يستلم هدوم.
حط قدامي صورة قديمة وقال:
— «أنا محتاج أسألك سؤال… الراجل ده تعرفيه؟»
مسكت الصورة.
وأول ما بصيت فيها…
الدم اتسحب من وشي.
لأن الراجل اللي في الصورة كان…
جوزي الأول.
جوزي اللي طلقني من سنين.
جوزي اللي قال لي إنه عايز يعيش حياته بعيد عني وعن ولاده.
رفعت عيني له وقلت: — «إنت تعرفه؟»
سكت شوية، وبعدين قال: — «أكتر مما تتخيلي.»
قلبي بدأ يدق بسرعة.
سألته: — «مين حضرتك؟»
بصلي في عيني وقال جملة لحد النهارده مش قادرة أنساها:
— «أنا أخوه… وأخوكي في نفس الوقت، لو عرفنا الحقيقة كاملة.»
مافهمتش قصده.
فضلت ساكتة، وهو كمل:
— «جوزك ماكانش الراجل اللي إنتِ فاكرة إنك عرفتيه.»
ضحكت من التوتر وقلت: — «حضرتك بتتكلم عن إيه؟ أنا عشت معاه خمس سنين، وعارفة كويس هو كان عامل إزاي.»
هز راسه وقال: — «إنتِ عارفة اللي هو خلاكي تعرفيه بس.»
وبعدين طلع من جيبه صورة تانية.
كانت صورة قديمة لجوزي وهو شايل طفل صغير.
بصيت للصورة وأنا مش فاهمة.
قلت: — «مين الطفل ده؟»
قال:
— «ابنه.»
اتجمدت.
— «ابنه مين؟»
رد بهدوء:
— «ابنه هو.»
ساعتها حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
— «يعني إيه؟»
قال: — «يعني قبل ما يتجوزك، كان متجوز واحدة تانية… وكان عنده ابن.»
سكت لحظة، وبعدين قرب الصورة مني وقال:
— «لكن المشكلة مش هنا.»
بلعت ريقي وقلت: — «أمال فين المشكلة؟»
قال:
— «الطفل ده اختفى من حياة أبوه بعد ما حصلت مشكلة كبيرة… وأبوكِ؟ لا… جوزك هو اللي كان السبب في إن الحقيقة تستخبى.»
وقفت قدامه وأنا مش قادرة أتكلم.
كل حاجة بدأت تركب في دماغي.
غيابه.
عصبيته.
سرية مكالماته.
إصراره على الطلاق.
والأهم…
جملته يومها:
«أنا عايز أعيش حياتي مع اللي قلبي اختارها.»
سألته بصوت مبحوح:
— «طيب هو فين دلوقتي؟»
الراجل بصلي نظرة طويلة وقال:
— «مش عارف.»
وبعدين سكت لحظة وأضاف:
— «بس أنا متأكد إنه رجع.»
حسيت بقشعريرة في جسمي.
— «رجع فين؟»
قال:
— «رجع مصر من فترة… وكان بيدور على أبوه.»
ماعرفتش ليه السؤال خرج مني فجأة:
— «يعني… هو ممكن يكون قابل ولادي؟»
الراجل ما ردش.
وسكوته كان أفظع من أي إجابة.
بعدها بأيام، بدأت ألاحظ حاجة غريبة.
بنتي مرام كانت بتسألني كتير عن أبوها.
لكن مرة، وهي بتبص في صور قديمة، سألتني:
— «ماما… هو بابا كان ليه أخ؟»
اتخضيت.
قلت: — «مين قالك كده؟»
قالت:
— «حد كلمني.»
قلبي وقع في رجلي.
— «مين؟»
سكتت.
وبعد إلحاح طويل، قالت:
— «راجل قابلني مرة قدام المدرسة… وقالي إنه يعرف بابا.»
صرخت فيها:
— «وإنتِ كلمتيه؟!»
قالت وهي بتعيط:
— «هو ماعملش حاجة يا ماما… هو بس سألني عن بابا.»
من يومها وأنا بقيت بخاف على ولادي أكتر.
لحد الليلة اللي رجعت فيها من الشغل، وسمعت صوت مرام وهي بتجري عليّ.
دخلت البيت وهي مرعوبة، ومسكَت في هدومي:
— «ماما… بابا هنا!»
افتكرت إن أبوها رجع من السفر.
لكنها هزت راسها وقالت:
— «لا يا ماما… بابا التاني.»
وقتها افتكرت الراجل اللي قابلني في المغسلة.
افتكرت الصورة.
وافتكرت كلمته:
«أنا متأكد إنه رجع.»
بصيت ناحية باب الشقة، وقلبي كان هيخرج من صدري.
سألت مرام:
— «مين اللي بره؟»
بصتلي وهي بتعيط وقالت:
— «الراجل اللي في الصورة.»
قربت من الباب وأنا مش قادرة أتنفس.
حطيت إيدي على المقبض…
لكن قبل ما أفتحه، سمعت صوت راجل من الناحية التانية بيقول:
— «هبة… أنا عارف إنك جوا.»
اتجمدت.
لأن الصوت…
كان صوت جوزي الأول.
فتحت الباب ببطء.
لكن الشخص اللي واقف قدامي…
ماكانش هو.
كان شاب في أوائل الثلاثينات، ملامحه مألوفة بشكل مرعب.
بصلي وقال:
— «أنا مش جاي أأذيكي.»
سألته وأنا مش قادرة أتكلم:
— «إنت مين؟»
بص ناحية مرام ومازن، وبعدين رجع بصلي وقال:
— «أنا الابن اللي أبوهم أخفاه عنكم سنين.»
سكت لحظة، ومد إيده بحاجة صغيرة.
نفس المفتاح اللي لقيته في الجاكت.
وقال:
— «وأنا الوحيد اللي أقدر أقولك ليه أبوكي… أقصد جوزك… اختفى من حياتكم بالطريقة دي.»
بصيت للمفتاح، وبعدين له.
وقلت:
— «المفتاح ده بيفتح إيه؟»
ابتسم ابتسامة حزينة وقال:
— «باب لو فتحتيه… هتعرفي إن طلاقك من أبو ولادك ماكانش بسبب ست تانية زي ما كنتي فاكرة.»
سكت لحظة، وبص في عيني مباشرة:
— «كان بيحاول يحميكي.»
وفي اللحظة دي… سمعت صوت مفتاح بيتحط في كالون باب شقتي من ورايا.
اتلفت بسرعة.
وكان واقف هناك…
جوزي الأول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *