متجوزة في بيت عيلة 3

انفضت جلسة العمدة بعد ما انقلبت الطاولة على رأس فاروق وعبير. العمدة أخد كبار البلد ومشي وهو بيتحسبن على التزوير اللي كان هيدبسه في قضية كبيرة، وساب البيت الأرضي شايط نار. عبير كانت قاعدة في الشال صرختها مبيناش من الخوف بعد ما سمعت سيرة الطب الشرعي في القاهرة وتفريغ كاميرات سوبر ماركت “أبو علي”، وفاروق نازل فيها زعيق وشتم لأنها هي وأمه اللي دبروا فكرة التقرير المزيف من دكتور مستوصف البندر الخاص.
فوق في الشقة، كان محمود بيقلب في الخزنة الحديد الصغيرة، طلع منها عقود الأرض، وأوراق ملكية الشقة، وإيصالات التحويلات البنكية اللي كان بيبعتها من الخليج باسم أمه وأخوه طوال تسع سنين. حط الأوراق كلها في شنطة جلد سودا وقفلها بالترباس. كانت عيونه مشدودة وزي ما يكون بيخطط لضربة قاضية تتلف حبل المشنقة حوالين رقابهم كلهم.
ساعة زمن، وسمعنا صوت كلكس عربية نزل قدام البيت. كان المحامي “استاذ صلاح” نازل من البندر ومعه ملفات في إيده. محمود نزل استقبله على الباب ودخلوا شقتنا فوق. قعد المحامي، ومحمود حكى له كل حرف، وعرض عليه كروت التحويلات وصور الستائر اللي عبير كانت بتغسلها على السطح قبل الخناقة بساعة، واللي مريم كانت مصوراها بفيديو صغير على التليفون وهي بتلعب بالكرة.
الأستاذ صلاح ابتسم ابتسامة صفرا وقال بثبات: “القضية دي مضمونة في إيدنا زي المية يا أستاذ محمود. التقرير الطبي بتاعهم صادر من مستوصف خاص ومش معتمد من النيابة، وأول ما نطلب إحالة المتهمة للكشف الطبي عن طريق ثلاثية الطب الشرعي في البندر أو القاهرة، الدكتور اللي كتب التقرير المزيف هيروح في داهية قبلهم بتهمة التزوير وإعطاء شهادة طبية مزورة مقابل مالي. ده غير فيديو التليفون اللي بيثبت إن الست كانت بتمارس مجهود بدني شاق قبل الواقعة بكتير.”
محمود هز رأسه وقال بصوت ناري: “أنا مش عايز بس أطلع مراتي بريئة يا أستاذ صلاح.. أنا عايز البيت ده يتعدل فيه الميزان. فاروق وأمي فاكرين إن الشقا اللي عملته كان هبة مني ليهم. أنا عايز أرفع قضايا تمكين وفرز وتدنيس للأرض والمبنى، واسترداد الأموال اللي اتبعتت بتحويلات بانكية مسجلة تحت بند ‘أمانة لبناء وتجهيز العقار’.”
المحامي كتب النقط في دفتره وقام وقف: “اعتبر الموضوع انتهى. بكره الصبح هنكون في النيابة العامة، وهنقدم طلب رسمي للنياب بالتزوير واستدعاء الدكتور صاحب التقرير، وهنعمل بلاغ مباشر بتعريض حياة طفلة للخطر ضد عبير وفاروق.”
لما نزل المحامي من على السلم، كانت حماتي واقفة ورا باب شقتها الأرضي بتتجسس. سمعت كلام المحامي عن “الطب الشرعي وسجن الدكتور وقضايا الفرز والتحويلات”، وشهقتها جابت آخر الصالة. جريت على فاروق وهي بتلطم: “لحقنا يا فاروق! أخوك جايب محامي كبير من البندر وهيرفع قضايا وياخد الشقق والأرض ويحبسنا كلنا!”
فاروق وشّه اصفر، وعرف إن اللعبة كبرت وشعرة المعاوية اتقطعت. راح للستارة، وطلع تليفونه واتصل بالدكتور اللي كتب التقرير المزيف. الدكتور أول ما سمع سيرة “النيابة العامة والطب الشرعي في القاهرة”، زق فاروق في التليفون وقاله: “أنت هتوديني في داهية يا فاروق! أنا هبطل التقرير ده وأقول إنه كان تقرير كشف مبدئي مش إثبات إجهاض! ما تد خلنيش في بلاويكم!” وقفل السكة في وشه.
سواد الليل نزل على البيت، والجو تحت كان زي القبر. عبير بدأت تعيط من الخوف والندم، وحماتي دخلت أوضتها وقفلت على نفسها ومش قادرة تواجه محمود ولا حتى تبص في وشه لما ينزل على السلم.
حوالي الساعة اتنين بعد منتصف الليل، وأنا قاعدة جنب مريم في السرير وبطبطب عليها، سمعنا صوت حركة خفيفة على باب شقتنا فوق.. خبطات واطية ومترددة، زي ما يكون حد خايف يسحي البيت.
محمود قام ببطء، مسك شومته الخشب اللي حاططها ورا الباب، وقرب من العين السحرية. فتح الباب بحذر.. وكانت المفاجأة!
كانت حماتي الحاجة أم فاروق واقفة على الباب! وشها اصفر ومكسور، عينها مغرغرة بالدموع، ولابسة شالها الأسود وتترعش. بصت لمحمود وصوتها كان بيطلع بالعافية: “افتح يا محمود يا ابني.. افتح لأمك اللي شالتك ورضعتك.”
محمود ما نزلش الشومة من إيده، وقف على الباب وقال بجمود وقسوة: “خير يا حاجة أم فاروق؟ طالعة في نصاص الليالي تدوري على إيه؟ الشقة دي شقة ‘الحرباية والساحرة المفترسة’ زي ما قُلتي تحت، ما يصحش رجلك الطاهرة تدوسها!”
حماتي نزلت على ركبها قدام الباب على السلم، ومسكت في جلباب محمود وبدأت تعيط بكسرة ونحيب: “سامحني يا محمود.. حقك عليا يا ابني! أنا اتعميت بالشر والغضب، وعبير وفاروق ضحكوا عليا وقالوا لي ده بيت العيلة ومحدش يكسر كلمتنا! والله ما كنت اعرف إن الموضوع هتوصل للتزوير والمحاكم وسجن أخوك! اعفُ عن أخوك وعن أمك يا محمود، البيت ده لو اتخرب أنت اللي هتشيل طينته قدام الناس!”
أنا خرجت من الأوضة ووقفت ورا محمود. لما شفت حماتي بالمنظر ده—الست اللي كانت بتردحلي وتدعِي عليا وعلى بنتي وتقول ‘تستاهل وتتخمد’—قاعدة تحت رجلين ابنها بتبكي ومكسورة، حسيت بمزيج من القهر والانتصار.. بس محمود ما اتهزش بسرعة.
محمود بص لأمه بمنتهى الصلابة وقالها: “اللي يتشدد على طفلة عندها أربع سنين ويفرح في فتح رأسها، ويغطي على التزوير عشان يرمي مراتي في السجن ويطردها في نص الليل.. ما يجيش في أنصاص الليالي يطلب العفو والرحمة! أنتِ نسيتي إنك أمي، ونسيتي العدل، وفاروق استغل غيبتي وشقايا عشان يعمل نفسه سيد البيت!”
حماتي رفعت رأسها وهي بتشهق: “فاروق مستعد ينزل يبوس رأسك ورأس مرتك فاطمة النهاردة قدام الشارع كله! وعبير مستعدة تتنازل عن المحضر وتكتب تعهد على نفسها في المركز ألا تمس البنت ولا فاطمة بتاني! بس بلاش قضايا الفرز والتحويلات يا محمود.. بلاش تخرب بيت أخوك وتسجنه!”
في اللحظة دي، نزل فاروق على السلم، كان واقف على الدرج تحت، وشه في الأرض ومش قادر يرفع عينه في عين محمود. قرب ببطء وقال بصوت مكسور ومبحوح: “حقك عليا يا محمود.. أنا أخطأت، والغطس اللي عملته مع الدكتور كان طيش وغضب من منظري قدام الناس بعد اللي عملته مرتك في عبير. التقرير اتقطع، والمحضر أنا هروح الصبح أتنازل عنه في المركز بنفسي.. بس بلاش المحاكم والطب الشرعي، إحنا إخوات والدم ما يبقاش مية.”
محمود بص لفاروق ولأمه، ونظرة الصمت طالت بيننا لدقايق، والبرد بياكل في الصالة.. الكل كان مستني قرار محمود اللي هيحدد مصير البيت ده كليًا.
محمود أخد نفس عميق، ورفع إصبعه وقال بصوت حاد يقطع الشك باليقين: “التنازل عن المحضر ده حقكم تدفعوا ثمنه من غير جمارك.. لكن الصلح مش هيتم ببوس الرأس والكلام الفاضي ده! أنا ليا شروط صلبة زي الحديد، ولو شرط واحد منهم اترفض، الصبح هنكون في النيابة العامة وتقرير الطب الشرعي هيطلع!”
فاروق رفع رأسه بلهفة وقال: “شرطك إيه يا محمود؟ قول اللي أنت عايزه!”
محمود حط إيده في جيبه وبص لهم بمنتهى القوة وقال: “أولاً: تنازل رسمي ومسجل في الشهر العقاري من فاروق وعبير عن أي حق في الشقة دي، وتتكتب ملكية خاصة ونهائية باسم فاطمة ومريم!
ثانيًا: حجة الأرض الزراعية بتاعة أبوي تتقسم رسمياً بالعدل بكرة تحت إشراف لجنة من الزراعة، وكل واحد ياخد نصيبه وما حدش يدخل في رزق التاني!
ثالثًا وأهم شرط.. عبير ما تحطش رجلها في الدور الأرضي طول ما فاطمة وبنتي تحت، ولا تبص لوشهم، وإذا اتجرأت ورمت كلمة أو بصة مش تمام، فاروق يلم حاجته وياخد مراته ويغوروا يئجروا بره بيت العيلة خالص!”
حماتي وفاروق بصوا لبعض بصدمة، الشروط كانت قاسية وبتكسر هيمنتهم للأبد.. لكن فاروق، وهو شايف حبل السجن والتزوير بيلف حوالين رقبته، بلع ريقه بمرارة وهز رأسه وقال: “موافق يا محمود.. بكرة الصبح هننفذ كل اللي قُلته.”
لكن لما فاروق نزل شقته تحت ودخل على عبير، كانت عبير قاعدة بتبكي بغل، ولما عرفت بشروط محمود والتنازل عن الشقة وتقسيم الأرض، عيونها لفت بالشر وقالت بصوت هسيس: “يرغموا مناخيرنا في الطين وياخدوا الشقة والأرض؟! والله ما هسيب فاطمة تتهنى بالبيت ده حتى لو أحرقه باللي فيه!”
أشرقت شمس اليوم التالي ثقيلةً ومحملة ببرودة خفيفة، لكن الحرارة التي كانت تغلي تحت سقف بيت العيلة كانت كفيلة بإذابة الصخر.
في تمام الساعة التاسعة صباحًا، خرج محمود من الشقة بجلابيته الصوف الكحلي، ووشه ناشف وزي السيف، ونزل ورائه فاروق بخطوات مكسورة، وعلى وشّه علامات الذل والهزيمة. اتجه الاثنين برفقة الأستاذ صلاح المحامي إلى مجمع المحاكم ومكتب الشهر العقاري في البندر.
ساعات من الانتظار المُرّ قضيتها أنا في الشقة فوق، ماسكة مريم في حضني، وقلبي بيلف زي الساقية. كنت خايفة من غدر عبير وحماتي، وعارفة إن النفوس لما تنكسر بالشر، بتدور على أي منفذ للنار.
على الساعة واحدة الظهر، رجع محمود. فتح الباب ودخل، وفي إيده الظرف الأصفر الكبير. حطه على الطاولة وطلّع منه الأوراق المسجلة بختم النسر: عقد تنازل نهائي وبيع وشراء للشقة فوق باسمي أنا ومريم، وعقد تقسيم ابتدائي للقطعة الزراعية بحدودها الأربعة، وإقرار تنازل رسمي وموثق من فاروق في محضر الشرطة عن أي بلاغات أو ادعاءات ضد فاطمة، مع تعهد بعدم التعرض.
محمود بصلي وقال بصوت هادي بس مليان راحة لأول مرة من أسبوعين: “حقك وحق بنتك بقوا في جيبك يا فاطمة.. محدش يقدر يرمي عليكِ كلمة بعد النهاردة، ولا يقدر مخلوق يخرجك من باب البيت ده.”
أنا اتنهدت تنهيدة طويلة حسيت إنها طلعت معاه سنوات القهر والغربة اللي عشتها لوحدي. بس الفرحة مكنتش كاملة، لأن السكوت اللي نزل على الدور الأرضي مكنش سكوت سلام.. كان سكوت الأفاعي قبل الهجوم.
مرت ثلاثة أيام.. الجو في البيت كان شتيمة مكتومة. عبير مكنتش بتخرج من شقتها نهائيًا، وحماتي بقت تقعد في صالة الدور الأرضي ساكتة، تبصلي لما أنزل اشتري حاجة بنظرات تنقط سم كأنها بتقول: “أخدتي ابني وكسرتي كلمتي يا فاطمة.”
وفي اليوم الرابع، قرر محمود ينزل البندر عشان يخلص أوراق مشروع الورشة الصغيرة اللي قرر يفتحها بنفسه بفلوسه اللي وفرها، بعد ما ألغى التأشيرة نهائيًا وقرر يقعد جنبنا.
أول ما محمود خرج من باب الشارع وصوت عربية التاكسي بعد، حسيت إن البيت دخل في ظلام غريب. مريم كانت بتلعب بالكراسة والألوان في صالة شقتنا فوق، وأنا دخلت المطبخ أجهز الغدا.
وفجأة.. سمعنا صوت كراكيب ورزع جامد جاي من ناحية المنور والسطح، وصوت مية بتجري بمدينة!
خرجت من المطبخ تجري، لقيت المية نازلة من سقف السقف بتاع الصالة فوق المروحة الخشب، مية سودا وريحتها زفرة ومجاري، وبتنزل بغزارة على الكنبة والفرش والأوراق!
صرخت ومسكت مريم أبعدتها عن المية، وطلعت تجري على سلم السطح عشان أشوف إيه اللي بيحصل فوق. أول ما فتحت باب السطح، لقيت المصيبة!
عبير كانت واقفة جنب خزان المية الكبير بتاع السطح، ماسكة عتلة حديد في إيدها، وكانت كاسرة المواسير العمومية اللي موصلة لشقتي أنا بس، ومفتحة طبات المجاري وبترمي فيها أكياس زبالة وقماش عشان تسد الصرف وتخلي المية الطافحة تنزل على سقف شقتي أنا بالذات وتغرق السقف بالكامل!
عبير لما شافتني طالعة، ما خافتش ولا استخبت.. لفت بوشها المليان زرقان من العض، وابتسمت ابتسامة مجنونة وهي ماسكة العتلة في إيدها وتقول بصوت واطي وخبيث: “فاكرة نفسك أخدتي الشقة وكسرتينا يا فاطمة؟ والله لأخلي العفن يأكل حيطانك، وأخلي الشقة دي ما تنفعش للعيش، ولأخليكي تشادي في المية الوسخة إنتي وبنتك!”
أنا دمي غلي، وقلت بصوت حاد: “إنتي اتجننتي يا عبير؟! بتخربي البيت اللي أ جوزك وأخوه تعبوا فيه؟ دي تصرفات واحدة عاقلة ولا واحدة مريضة؟!”
عبير رفعت العتلة الحديد في وشي وقربت خطوات وهي بتجز على سنانها: “أنا مريضة بيكِ يا فاطمة! من يوم ما دخلتي البيت ده وأنتي عاملة فيها الطاهرة البريئة، ولما محمود جه من السفر عملتيه أسد علينا! الشقة دي مش هتهني بيها، والتنازل اللي كتبه فاروق هخليه يبله ويشرب ميته، لأن البيت ده أنا هحرقه هحرق قلوبكم!”
وفجأة.. عبير قامت زاقة برميل المية المليان زبالة ومية ملوثة ناحية باب السلم، والمية بدأت تنزل زي السيل على السلم وتغرق الدورين!
أنا ما مسكتش نفسي، وجريت عشان أمنعها تكسر باقي مواسير الغاز اللي جنب الخزان، لكن عبير رفعت العتلة الحديد وضربت بيها على القفص الصاج بتاع الغاز.. وسمعنا صوت هسيس حاد وريحة غاز طالعة بغزارة في جو السطح!
عبير نفسها اتخضت لما سمعت صوت الغاز البيخرج بقوة، بس الجنون كان راكبها، وما لحقتش تتراجع.. لأنها وهي بترجع لورا بخوف، رجلتها اتعبلت في سلك الكهرباء العريان الموصل لموتور المية، والسلك كان ملموس من المية المكبوبة على الأرض!
في ثانية واحدة.. عبير صرخت صرخة رعب هزت حارة الحاج جاد كلها: “الحقنييييي يا فاروووووق!”
الكهرباء مسكت في المية اللي واقفة فيها عبير، وشرار النار طلع من سلك الموتور وقرب من الغاز المتسرب.. والسطح كله اتقلب في ثواني لكتلة من الدخان والشرار والمرعب!
أنا اتسمرت في مكاني من الهول، ومريم تحت كانت بتصرخ بصوت يقطع القلب وهي شايفاني فوق في وسط الدخان!

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *