هواك عهد مروة حمدى
هواك عهد ١
مروة حمدى
صوت صياح ونداء عالى جعلها تتمم قراءتها مصدقه مغلقة لكتاب الله واضعه اياه جانبا، تخرج على عجالة من غرفتها لتعلم ماذا حدث لكل ذاك الصراخ.
بقلق: فى ايه يا عهد، مالك يابنتى؟
عهد بتوتر ورعب ملحوظ: مش لاقياها يا عمتو مش لاقياها.
العمه بعدم فهم: هى ايه يا بنتى؟
عهد: دبلتى يا عمتو.
“ااااايه”
قالتها وملامح الزعر مرتسمه بوضوح على ملامحها.
وبألم بدأ يغزو صدرها لم تلحظه الأخرى وهى تبحث عنها بالأرجاء.
“دبلة حمزة ضاعت! دبلة ابنى!”
بدأ جبينها يتعرق بعدما غادر اللون جسدها، تلتقط أنفاسها بصعوبة، استندت على يد الكرسى إلى جوارها والأرض تميد بها.
“لقتها”
صرخت بها بفرحه من المرحاض، خرجت مهرولة باتجاه عمتها.
“لقتها يا عمتو لقت….”
صمتت بقلق تقترب منها تسندها لتستريح: عمتو انتى كويسة؟
العمه تشتد على قبضتها وبوهن: لقتيها؟
عهد تؤمى برأسها متابعه: كانت على الحوض نسيتها وانا بتوضى الفجر.
التقطت أنفاسها براحه، أشارت على كوب الماء الموضوع بالمنضده، اعطتها اياه على الفور، ارتشفت منه القليل وقد عاد اللون إلى وجهها.
عهد: عمتو لو حاسة بأى تعب يالا بينا على المستشفي.
العمه بابتسامه ضعيفة: لا يا حبيبتى مالهوش داعى…أمسكت بالمحبس من بين يديها وبأعين دامعه…روحى كانت هتروح منى لو كانت راحت وردتلى تانى.
قالتها تزامنا مع وضعها بأصبع عهد ببطء واهتمام…قائلة بشجن…خلى بالك منها يا عهد يابنتى.
أزاحت عهد تلك الدمعه المتسللة خفيه من بين أهدابها قبل ان تلحظها عمتها.
_غلطه يا عمتو ومش هتتكرر.
انتبهت عمتها لردائها وبحاجب مرفوع ابتعدت بجسدها قليلا عنها تقيمها : ايه اللى انتى لبساه ده يا بنتى؟
عهد بلجلجه تعتدل بوقفتها: ماله بس يا عمتو؟
العمه: مسوداها اوى يابنتى من فوق لتحت كده ليه؟ ده حتى فال شئؤوم.
عهد بتهرب: شئوم ايه بس يا عمتو! انتى بتصدقي فى الكلام ده، بعدين الأسود ده ملك الألوان والطقم حلو عليا.
العمه: يابنتى حلو مقولناش حاجه بس على الاقل اكسرى بطرحه ملونه.
وبضيق تابعت…انا مبحهبوش وانتى عارفة.
عهد: حاضر يا عمتو هدخل اغير الطرحه.
قبل ان تتحرك مبتعده عائدة لغرفتها سألتها عمتها بشك: هو انتى مش انهاردة اجازة؟
عهد: ايوه.
العمه مضيقة لعينيها: اومال لابسة ورايحه على فين؟
عهد بأعين زائغة: متفقة انا وهدى زميلتي نتقابل نشترى شوية حاجات.
العمه بتفهم: طيب ما تتاخريش عليا.
عهد مقبلة لرأسها قبل ان تنصرف من أمامها: حاضر يا عمتو..
بعد دقائق خرجت من باب المصعد، تفاجأت بوجود الاستاذ محمد ابن جارتهم السيدة إجلال..
تمتمت بسرها: وده رجع من سفره امتى ده؟!
حياها بابتسامه عريضة: ده ايه الصدف السعيدة دى؟!
عهد بتكلف: حمد الله على السلامة.
محمد بسعادة: الله يسلمك يارب.
بشكل تلقائي انتقلت عيناه إلى أصابعها حيث يزين المحبس يدها وبسؤال تحفظه عن ظهر قلب ظهرت بوادره عندما قال مشيرا نحو يدها: هو انتى…
قاطعته هى سريعا تتهرب منه: معلش يا استاذ محمد متأخرة جدا على معادى.
هرولت للخارج مستقلة سيارتها الصغيرة المصفوفة أمام البناية تحت نظراته الصارخه بالتمني والإعجاب.
تحركت مبتعده مع صعوده لشقته مقررا إعاده طلبه من جديد، لن ييأس حتى تقبل.
بمجرد دلوفه من الباب، نادى بصوت عال: ماما، ماما.
إجلال مسرعه من المطهى: ايوه يا حبيبى.
محمد بنفاذ صبر: قوليلى هى عهد زى ما هى ولا اتخطبت؟
والدته بضيق: يوووه، احنا مش هنخلص من السيرة دى بقا ونشوف حالنا.
محمد: مالك بس يا ماما فى ايه؟
إجلال: في ان وضعك ده مش عاجبنى.
محمد: وانا كنت عملت ايه لده كله؟
إجلال بحده: بتسأل عليها ليه يا محمد؟
محمد: عشان اخطبها انا…
إجلال بنزق: رجعنا لنفس الموال، يابنى هو انت كل ما تيجى اجازة تسأل نفس السؤال، ما البنات كتير؟! اشمعنا دى؟!
محمد: صدقينى مش عارف، بس حاسس انى مشدود ليها، شايف فيها كل حاجه حلمت بيها فى ال هتشاركنى حياتى.
الوالدة ببعض اللين: يابنى واتقدمتلها اكتر من مرة وهى رفضت، يبقى نشوف حالنا بقا، وعمرك ال بيتسرسب ده من غير ما تحس.
محمد بتصميم: ماما دى اخر مرة هطلبها منك، عشان خاطرى روحى و…
قاطعته الام سريعا: لا يابنى متكملش، بأى وش هروح اكلمها، وهى يجى رفضاك خمس مرات لحد دلوقت، ده انا بيتهيألى انها بطلت تسلم عليا لما تشوفنى خايفة افتح معها الموضوع.
محمد بأعين لامعه: لا انتى المرة دى مش هتكلميها هى.
إجلال بعدم فهم: قصدك ايه؟
محمد: المرة دى هتكلمى عمتها علطول.
إجلال: انت اتجننت يا محمد.
محمد: بالعكس ده عين العقل، فكرى فيها هى كل مرة بترفض ليه؟ اكيد عشان خايفة عليها وعلى مشاعرها وانا متأكد انها اصلا مش بتقولها انك بتكلميها فى الموضوع ده، لكن لما عمتها تفتح معها بنفسها الكلام وقتها الوضع هيتغير.
إجلال: وانت واثق اوى كده ليه ان عمتها هتوافق؟
محمد: عشان هى ال باقيالها وعايزة تفرح بيها اكيد زى ما انتى عايزة تفرحي بيا وبعدين انا عريس مترفضش.
إجلال بزهو: اسم الله حارسك وصاينك …صمتت لبرهه تفكر..طيب وعلى فرض انها وافقت وكلمتها والبنت رفضت تانى لا تانى ايه قول عاشر.
محمد بوجع: دى هتكون الاخيرة يا امى، ولو رفضت فمن بكرة تدورى على عروسة غيرها.
إجلال: خلاص سبنى احسبها واشوف الوقت المناسب واروحلهم.
محمد ممسكا برسغها برفق يتجه بها نحو باب شقتهم: دلوقت اكتر وقت مناسب وهى مش موجوده عشان تعرفى تاخدى راحتك فى الكلام معاها.
والده بتعجب: يابنى اصبر يابنى.
محمد: خير البر عاجله.
والدته: طيب اغير هدومى طيب.
محمد بنفاذ صبر يطرق على الباب المقابل وعند سماع صوت العمه هدى تحرك من مكانه عائدا وهو يتمتم: ياماما بقا هو احنا ولا هما جداد على بعض.
همت بتوبيخه والتحرك خلفه: إلا أن صوت فتح الباب أوقفها.
العمه هدى بدهشة: إجلال.
التفت لها بابتسامه: ازيك يا حبيبتى اخبارك ايه؟
العمه هدى: الحمدلله فضل ونعمه.
إجلال: انا قولت اشرب قهوتي معاكى انهاردة.
العمه هدى مفسحه للطريق: تنورى يا حبيبتى، اتفضلى.
دلفت وأغلقت الباب خلفها.
وبعدها وقت ليس بكثير خرجت إجلال من عند العمه بوجه مكفر، انتفضت بسيرها على صوت أغلاق الباب خلفها بقوة وبمجرد دلوفها لشقتها، كان محمد بإنتظارها: ها ايه يا امى؟ عملتى ايه؟
إجلال بغضب طفيف: عملت ايه فى ايه! بسببك انا روحت واخدت كلمتين فى جنابى وجيت. ..وبتعجب قالت…الولية شبه طردتنى.
محمد بحاجب معقود: ليه قولتها ايه؟
إجلال: وهو أنا لحقت اقول حاجه انا بس يدوب قولت محمد عايز يخطب عهد من هنا والولية زى ال لسعها عقرب من هنا.
محمد بحزن: رفضتنى؟
والدته بوجع على حاله اقتربت منه رابطه على كتفه بتهوين: ال حسيته يابنى انها مش رفضتك كشخص هى رافضة المبدأ نفسه.
محمد: يعنى ايه يا أمى هتفضل على كده؟
إجلال: هى حرة يابنى فى حياتها.
محمد: اعمل ايه يا أمى فى ده؟
قالها مشيرا على قلبه، أجابته بتعقل: تجبره ينساها ويعيش هى نفسها مش بتفكر فيه والا كانت وافقت فاى مرة من المرات ال فتحت فيها الموضوع حتى لو بعنيها وده محصلش، عرف قلبك انه غالى فمترخصش من نفسك ومنه عشان حد مش حاسس بيك اصلا..
محمد بألم مغمضا لعينيه مبتلعا تلك الغصة المريرة بحلقه: عندك حق.
لايدري ايا منهما اى عاصفة هبت بالشقة المقابلة بعد عرض طلبهم.
كانت تدور حول نفسها كالمجذوبة تتحدث بصوت عالى: لا بقا دول مجانين، هما صحيح ال اختشوا ماتوا ولا ايه؟ جاين يطلبوا منى انا عهد؟ لا وكمان كلموها فى الموضوع اكتر من مرة وهى ترفض! لا وعايزنى انا أقنعها! ايه الناس ال معندهاش ريحه الدم دى؟! وعهد عهد ازاى ما تقوليش حاجه زى كده؟ خبت عليا ليه؟ وياترى ياعهد مخبية حاجه تانى عليا ولا لا..
شعرت بالدماء تتدفق بأوردتها ورأسها على وشك الانفجار، وضعت يدها سريعا عليه وبتهته بعدما بهتت الرؤية أمامها: يظهر ان مبقاش لينا مكان هنا، عشانك يابنى هاخدها وامشى واسيب البيت ال عشت فيه أحلى سنين عمرى، عشانك يا نور عينى.
قالتها واستستلمت لتلك الدوامه. السوداء لتسقط على الأرض مغشيا عليها.
وبمكان اخر بمجرد وصولها لوجهتها، اصطفت بسيارتها بحرس، وقبل أن تخرج منها نظرت للمحبس بيدها وتنهيده خرجت من أعماقها.
هبطت بثقل، دارت بعيناها بالمكان حتى وجدت ضالتها…سيدة عجوز تقبع على الجانب وامامها الكثير والكثير من الزهور تنادى عليها للمارين.
اقتربت منها، ترفع نظاراتها الشمسية لأعلى وبصوت هادئ رقيق: صباح الخير يا خالة.
رفعت المرأة رأسها لها تعرفت عليها على الفور وبود قالت.
_ازيك يا دكتورة عهد عاملة ايه يابنتى..
عهد بابتسامه حزينه: تانى يا خالة، كم مرة اقولك بلاش كلمه دكتورة دى، وبعدين ازاى دكتورة وبنتى فى جملة واحده؟!
السيدة يإمتنان: ربنا يراضيكى ويجبر بخاطرك يابنتى.
عهد: اخبار معدتك ايه دلوقت؟
السيدة: الحمدلله ماشية على العلاج مظبوط.
ابتسمت لها عهد واشارت على أحدى الباقات البيضاء قائلة: تمام.
اعطتها لها الأخرى وقبل أن تخرج عهد ثمنها اوقفتها السيدة سريعا: ابدا ما يحصل .
عهد: لا يا خالة ما تزعلنيش منك.
السيدة بخجل: يابنتى دى حاجه قليلة قصاد جمايلك معايا ما تكسفنيش واقبليها منى المرة دى..
نظرت لها عهد بود: مقبولة منك يا خالة.
ثم انحنت للصغيرة جوارها” حفيدتها”، تدس بيدها بعض العملات الورقية معلقة: وانتى كمان اقبلى منى دى للعسل الصغنن ده، ربنا يباركلوا فيها.
وقبل أن تعترض رحلت عهد من أمامها بسرعه تاركه الأخرى تنظر بأثرها بحزن على حال تلك الشابة جميلة القلب والملامح متمتمه بدعاء صادق.
“ربنا يراضيكى، ويفرح قلبك ويصبره ويرزقك باللى يعوضك يارب”
وبالداخل وبعدما توغلت مسافة لا باس بها، اخذت نفس عالى، تدفع بيدها البوابة الحديدية ، وققت بعد بضع خطوات ناظرة للأمام وباعين ترقرق بها الدمع قالت: وحشتنى.
الفصل الثانى
صوت ضحكات ومواقف طفولة، صبا ومراهقة مرت أمام اعينها، أحلامهم للغد، همساتهم ليلا وكذلك شجاراتهم سويا، ذكريات هاجمتها بضراوة وهى تزيح الغبار عن الشاهد امامها، مرت باناملها تقرا الاسم المحفور عليه بقلب موجوع، توقفت أناملها على التاريخ المكتوب عليه، نفس تاريخ اليوم ولكن منذ خمس سنوات مضت و شتان بين هذا اليوم وذاك!
عاد لمسمعها صوت ضحكاتها هى وعمتها اثناء مشاهدتهم للتلفاز سويا عندما صدح صوت هاتف عمتها، تناولته سريعا تجيب بعدما ابصرت الاسم المذكور أعلى الشاشة.
_ايوه يا حبيبى.
_…
_انا وعهد فى الصالة بنتفرج على العيال كبرت.
_…
_ههههههه، دى بالذات ميتزهقش منها ابدا.
_…
_قول يا حبيبى.
_…
بنبرة قلقه: حاضر يا نور عينى، ماتخافش عليا هاخد بالى من صحتى، اصلا عهد مرات ابنى الغالية مخلية بالها منى كويس.
_..
لا متقلقش، هخلى بالى منها هى كمان حاضر، بس أنت فى حاجه معاك؟
_…
_اه اهى قاعده جنبى.
_…._
_ثوانى يا حبيبى.
التفت لها عمتها تعطيها الهاتف وقد علمت عهد هوية المتصل من البداية عندما قالت ” حبيبى”
عمتها بهمس: بيقولك قافلة تليفونك ليه؟
عقدت حاجبيها تلتف حولها، حتى وجدته إلى جوارها وقد نفذ شحنه.
وضعت الهاتف على اذنها تقم من مجلسها تبحث عن الشاحن.
_الو
_تليفونك مقفول من بدرى.
_فاصل شحن.
_اممم، طيب اشحنيه عشان اعرف اطمئن عليكوا من وقت للتاني
عهد بمرح: علم وينفذ يا افندم.
صمت لثوانى لم يتحدث حتى ظنت انه أغلق الخط وقبل أن تنادى بإسمه، وقفت الأحرف بحلقها عندما قال:
“بحبك يا عهد”
ليس وكأنها اول مرة تسمعها منه ولكن تلك المرة مختلفة، نبرة صوته ووتيرته، شئ ما جعل قلبها يدق بصخب ولكن خوفا وما زاد من التواء أمعاءها بداخلها عندما تابع حديثه بعد برهه.
_انتى الوحيدة ال فى قلبى يا عهد، كبرت على حبك عينى ما شفتش غيرك، اوعى فى يوم تشكى فى حبى ليكى، ولو فى مرة كنت زعلتك منى فده من خوفى وغيرتى عليكى.
مرت ثوانى من الصمت المتبادل قطعته قائلة.
_حمزة.
_قلبه ودنيته ال بيحلم بيها يا عهد.
بقلق اصطبغت به كلماتها: انت كويس؟ فى حاجه حصلت؟
من الجانب الاخر: ما تقلقيش عليا يا عهد.
عهد بتوتر: مقلقش ازاى وانت كلامك كله يقلق.
حمزة: مش عارف بس حسيت فجاءة انكوا وحشتونى اوى اوى ونفسى اسمع صوتكم .
عهد برجاء: تعالى، سيب اى حاجه عندك وتعالى نتغدا سوا انا عملتلك المكرونة بشاميل ال بتحبها.
حمزة بتنهيده: ياريته كان ينفع يا حبيبتى، بس ضرورى اكون فى تأمين الكمين انهارده.
عهد بسرعه: ايه رأيك اجيب الغدا واجيلك انا؟
ضحك بخفه: انهاردة بالذات فى قلق، صدقينى مش هينفع.
عهد: يووه بقا طب ايه العمل؟ عايزة اطمئن عليك؟
حمزة: خايفة عليا يا عهد؟
اماءت برأسها وكأنه يراها فتابع هو: مش ناوية تقوليها بقا يا عهد.
عهد بخجل: لما اكون فى بيتك هقولها لحد ما تزهق منها.
حمزة محاولا تبديد قلقها ببعض المزاح المحبب لكليهما: على فكرة بقا انتى دلوقت فى بيتى وعلى اسمى كمان، يعنى حججك باطله يا دكتورة.
عهد: لا لسه مش رسمى.
حمزة: والقسيمه والمأذون! سيبك انتى مقرتيش بطاقتك والحالة ايه؟ انتى مكنتيش حاضرة معانا ولا ايه؟
عهد: بطل رخامه بقى انت فاهم قصدى كويس.
حمزة بضحكه: يابنتى نفسى اسمعها منك قبل ما اموت.
عهد سريعا: بعد الشر عليك ماتقولش كده تانى.
حمزة : اوعدينى يا عهد.
عهد: بايه؟
حمزة: ان عمرك ما هتنسينى.
تيبست بمكانها وقد بلغ منها القلق مبلغه توشك على الحديث اوقفها صوت احد الجنود يحدثه: ألحق يا فندم
حمزة باستعجال يتحرك من مكانه وصوت جلبه من حوله وصل لها بوضوح: هقفل معاكى دلوقت، عهد خلى بالك من نفسك ومن ماما.
من ثم قطع الخط دون ان يسمع منها الرد، نظرت للهاتف وخوف مجهول المصدر زحف لداخلها.
ببطء عادت حيث كانت تجلس ولكن بوضع مختلف، هيئة مهمومه قلقه لا تعى او تسمع ايا مما يعرض أمامها إلا صوته وحديثه، ولم تكن هى الوحيدة التى تبدل حالها، كذلك عمتها فمكالمه وحيدها ونبرة صوته دبت الرعب بقلب الام خاصتها.
حاولت الاتصال به بعدها ولكن دون جدوى، وباخر اليوم تلقين خبر استشهاده جراء هجوم غاشم من جماعه متطرفه.
كان الخبر بمثابه طلقة صوبت باتجاه قلب عمتها.
عادت من ذكراها تمرر يدها على. القبر أمامها تنثر الزهور: روحت واخدت معاك كل حاجه حلوة يا حمزة.
قامت من مجلسها تقرأ آيات الذكر، راحله من المكان وقبل أن تخرج عادت تنظر إلى قبره وصدى صوته يتردد ” عمرك ما هتنسينى يا عهد”
تنهدت بوجع: عمرى يا حمزة.
عادت للمنزل وتقابلت من جديد مع الاستاذ محمد ولكن تلك المرة لم يعرها اى اهتمام لذا زفرت بحمد.
أدارت المفتاح بالباب تنادى بصوت عالى نسبيا: عمتو انا جيت.
نادت من جديد عندما لم تتلقى إجابه: عمتو انتى فين؟ عمتو…
صممت، برعب نظرت للأمام لتلك المسجية ارضا، ركضت نحوها برعب صارخه: عمتو..
حاولت أفاقتها اكثر من مرة وهى تبكى كطفل صغير: ما تسبنيش يا عمتو انتى كمان ردى عليا عشان خاطرى.
تحسست النبض وتماسكت قليلا عندما وجدته ضعيف وبدون تردد طلبت سيارة الإسعاف.
وبالمشفى كان يسير بجوار صديقه يتفقد أحوال المرضى بقسم القلب.
صديقه أحمد: ها يا دكتور انس ناويت السفر امتى؟
انس: اخر الاسبوع بإذن الله، كفاية اوى لحد كده؟
أحمد بضيق: وليه جاي على نفسك كده، اسبوعين يارجل تقعد فى مصر ده إفتراء ده.
أنس : ما تنساش انى عندى إلتزامات هناك.
أحمد بجديه: وعندك حقوق وواجبات هنا برضه يا انس، اهلك واخواتك وكل ال بيحبوك وليهم حق فيك.
ابتسم ابتسامه صغيرة يجيب بمهادنة: هانت يا أحمد هانت.
احمد: اتمنى.
حضرت فى نفس الوقت سيارة الاسعاف للطوارئ وتم طلب الطبيب حالا بقسم الاستقبال بالأسفل.
أحمد بسرعه: مريضة قلب تحت جات بالاسعاف والحالة مش بتستجيب
انس: استنى انا جاى معاك.
بالأسفل توارت عنها وراء الباب المغلق، كانت تنظر لها كطفلة مرتعبه تقف بمفردها وسط الزحام.
مر هو وصديقه من أمامها للداخل، رأت محاولات عدة لاستفاقتها حتى نجحت إحداها، سمعت صوت آمر يخبرهم بتجهيز غرفة العمليات بالحال.
تلك النبرة مألوفة ولغاية ولكن العقل كان مغيب وجام تركيزها مع تلك التى يعدونها لدخول غرفة العمليات لا للبحث بين طيات الذكريات عن صاحب تلك النبرة.
خرج أحمد اولا يلقى تعليماته لطاقم التمريض، فوجئ بوقوف عهد أمامه بحالة مزرية .
أحمد: دكتورة عهد، فى حاجه معاكى؟
ببكاء اشارت نحو الغرفة التى خرج منها للتو.
احمد: هى الحالة ال جوه تخصك؟
عهد بدموع: عمتو.
أحمد باطمئنان: ما تقلقيش يادكتورة باذن الله هتكون بخير.
” انشالله هتكون بخير يا دكتورة، وأنا بنفسى هشرف على العمليه”
توقف بها الزمان للحظه اذا كان تجاهل عقلها النبرة منذ دقائق فى زحام الأصوات الا انه الان لا يمكنه التهرب، هى تعلم تلك النبرة جيدا بل وتعلم صاحبها كذلك، ببطء حركت رأسها باتجاه الواقف على الباب يغطى نصف وجهه بالكمامه الطبيبة ولا يظهر منه سوى عنيه، هى بالأساس لا تحتاج إلى اكثر من هذا لتتعرف عليه.
وبهمس مسموع ” دكتور أنس”.
واين انس منها الان، فست سنوات من الغربة لم تكن كافية لينسى وجع قلبه ويداويه ” الدكتورة عهد” وهو الطبيب المختص بأمراض القلوب.
تلاقت الأعين بحديث قصير غير مفهوم لايا منهما.
أحمد باستغراب: تعرفوا بعض.
انس مزيحا الكمامه من على وجه فاكتملت صورته بوجهها، انه هو بحق الطبيب انس، طبيب القلوب وسارقها ايضا.
اغمضت عيناها ودقات قلبها تعالت كقديم عهدها كلما ابصرته او حدثته.
عهد: الدكتور انس كان دكتورى فى الجامعه.
أنس: الدكتورة عهد من اشطر الطلاب فى دفعتها.
أحمد: بالفعل هى من اشطر دكاترة الباطنه فى القسم عندنا.
نظر لها بعدم فهم مرددا” باطنه” دائما ما كانت تردد برغبتها فى ان تصبح طبيبه أمراض قلب، ترى لما غيرت رايها؟
وكان على وشك ان يسالها، الا انه نهر نفسه سريعا بأنها حرية شخصية، ولكن حديث صديقه بأنها ضمن طاقم عمل المستشفى، جعل أفكاره تتوارد من جديد، اسبوع وهو هنا يعمل كطبيب مؤقت يساعد صديقه ببعض الحالات ولم يبصرها قط، ترى هل كانت تعلم بوجوده؟ هل تهربت من رؤيته عمدا؟
سخر من حالة ناظرا لهيئتها وللمحبس بيدها يجيب سؤاله: ولما عساها تفعل فأنا بالاخير من عشت الحلم بمفردى.
أتت الممرضة تخبرهم بأن غرفة العمليات أصبحت جاهزة.
انس بعمليه لعهد: مدام عهد، اتفضلى معانا تعرفينا على التاريخ المرضى للمريضة، مش عايز مفأجات فى غرفة العمليات.
لم تعلق سارت إلى جواره بصمت مطبق.
بعد عده ساعات خرج كلا من احمد وانس من الغرفة بانهاك وتعب واضح.
احمد: انا دلوقت عرفت الالمان ماسكين فيك المسكه السوده دى ليه ومش عايزينك ترجع هنا تانى.
انس وعينه على تلك القادمة باتجاههم مشفقا عليها من ملامح الخوف الناضخه بها قسمات وجهها الشاحب الجميل هامس:
” مش يمكن انا ال ماسك فيهم يا احمد، كنت فاكر نفسى هنسى ومع اول لقاء رجعت نقطه الصفر تانى”
عهد: طمئنونى يا دكاترة.
احمد : الحمدلله العملية نجحت وهتدخل الرعاية تحت الملاحظه لحد ماتفوق.
عهد يإمتنان: انا متشكرة جدا.
أحمد بفخر بصديقه: حقيقى لو عايزة تشكرى حد فالدكتور انس شبه عمل معجزة جوه.
انس: الشكر لله ده واجبنا يا مدام.
قالها متكا على حروف كلماته يذكر نفسه بأنها تنتمى لأخر الان.
انتقلت بيصرها له ودون اراده منها صمتت لثانيه تتأمل ملامحه وما فعل الزمن بها، انتبهت على حالها عندما تابع: وبعدين مافيش شكر بين الزملاء.
هرب بعدها من سطوة عينيها على قلبه، تلك السطوة التى أعمت عيناه عن سائر النساء.
دلف لغرفة الطبيب نازعا الكمامه عن وجهه بعدما تداعى قناع قوته وبكل ما بقلبه من قهر وجع وعشق صرخ بكلمه واحده: اااااااااااااه.
تسمر صديقه بمكانه عند دلوفه وروؤيته لها على هذة الحال، اقترب منه على السريع.
يمسك يه وهو على وشك تحطيم المكان حوله.
_مالك ياانس أهدى، حصل ايه؟
انس بعالم اخر يضرب فيه على قلبه بيده: بحبها، لسه بحبها لسه بيدق اول ما بشوفها يا احمد .
نظر لصديقه بأعين كجمر ملتهب: انا قلبى موجوع اوى اوى يا أحمد انا الطبيب ومش لاقى علاج لقلبى دبرنى يا صحبى.
أحمد مزهول وقد خمن من يقصد صديقه قائلا: الدكتورة عهد!
الفصل الثالث
صديقه من ظن قلبه من حجر لا يهتز، عيناه دامعه ولأجل من؟ انثى؟!
أحمد: أنس أهدى مش كده؟
أنس: منسيتش يا أحمد ومش قادر انسى وشكلى مش هعرف انسى.
أحمد: انا اول مرة اسمه منك الكلام ده ياانس انت عمرك ما قولتلى على حاجه زى كده ابدا.
أنس بعشق: عهد كانت السر ال متخبئ بين ضلوعى يا أحمد.
أحمد: وهى ؟ كانت تعرف؟
أنس: هى سبب حيرتى وعذابى يا احمد.
احمد: انا مش فاهم حاجه؟
انس: ولا انا كنت فاهم برضه، انا بس كنت حاسس انها زى محتارة ، كنت بشوف فى عنيها كلام كتير هى نفسها مش فهماه، كنت بشوف حيرتى وشوقى ولهفتي عليها فى عنيها، كنت بحس نظراتها بتبعتلى رسايل تطمئنى وتقولى انا حاسة بيك انا حالى من حالك، بس..
صمت ووجع الذكرى يخنق قلبه بيد من حديد واحمد يرغب بمعرفة المزيد.
_بس ايه؟
_جه اليوم ال اثبتتلى فيه انى غلط، وأن قلبها وفكرها مش ليا، وانها بقت لواحد تانى، قريبها، جه الكلية عندنا وعرف نفسه بالكل انه خطيبها وهى ما انكرتش بالعكس ورتهم دبلة الخطوبة فى ايدها.
أنس موجهه نظره لأحمد: تصدق بايه؟ انا كنت حاسس ان خطيبها ده كان جاى مخصوص عشانى انا بالذات.
احمد: ليه يعنى؟
انس: عيونه كانت بتبصلى بطريقه غريبة، يوم ما جه ودخل عليا المكتب وسلم وعرفني بنفسه، وكل كلمه بيقولها وراها كلمه وحده بس مستخبية” ابعد عنها، دى بتاعتى”
أحمد: وبعدين.
انس: ما اقدرتش استحمل، وافقت على البعثة سافرت.
احمد: قصدك هربت وما دافعتش عن حبك.
أنس: ادافع عن ايه يا احمد وحبى كان من جهه واحده قلب واحد ال بينبض فى حكايتى كلها.
احمد: بس انت كنت حاسس بمشاعرها ناحيتك؟
انس: يمكن وهم رسمته اطمئن بيه قلبى وارضى بيه عقلى.
أحمد: ليه هى؟ صحيح الدكتورة عهد مثال على الالتزام والأخلاق والذكاء ده غير انها على قدر عال من الجمال بس اكيد انت قابلت فى حياتك الأجمل والاذكى ده غير وجودك فى المانيا خمس سنين ما تقنعنيش ان مافيش وحده قدرت تشغل عقلك او قلبك.
أنس بابتسامه مريرة: ولا وحده يا صحبى وال حاولوا كتير والمغريات كانت اكتر
أحمد: للدرجه دى يا أنس.
أنس: انا مشدنيش فى عهد جمالها يا احمد، قد مشدنى نظراتها البريئة أفعالها العفوية، نفسها الحلوة تصرفاتها فى الكليه مع زمايلها، وحده وحده لقيتني بغرق فيها …
شهقة داخلية صدرت عنها، كتمتها بوضع يدها على فاهها راحله من امام الباب بسرعه قبل ان يبصرها احدهم، أتت لتسأل عن أمر خاص بعمتها، تهادى إلى سمعها اسمها اكثر من مرة وبفضول غريزى أرهقت السمع، لتصطدم بأكثر حقيقة تمنتها وزهدتها بنفس الوقت.
وبالداخل لم يشعر بها احد، كان أنس غارقا بمشاعره واحمد متفحصا لحالتة بدقة ودون سابق إنذار قال له: ولو الدنيا ادتك فرصة تانية يا انس، هتحارب ولا هتهرب.
نظر له أنس بعدم فهم: قصدك ايه؟
أحمد: قولى الصراحه انت ناوى على ايه دلوقت بعد ما شوفتها من تانى.
أحمد متأتأ لاسفل: هسافر مش هستني لاخر الاسبوع.
احمد: يعنى هتهرب تأتى.
أنس بعصبية: افهم بقا مش هقدر أشوفها معاه، اكيد هو هيجى فى اى وقت مش هقدر اشوفه جنبها، عارف انك ممكن تقول عليا مجنون او غبى بس مش هقدر يا احمد مش هقدر.
احمد: للدرجه دى؟
انس: انا نفسى مش فاهم، زى ما يكون عهد واتكتب على قلبى يكون ليها واتعذب وانا شايفها مع غيرى، سبنى اسافر بدل ما قلبى يتحرق من النار ال بتأكل فيه وقتها ولا اى طبيب هيعرف يداويه.
احمد بتاثر: بس عهد ارملة يا انس..
أنس: هى من نصي…
صمت والجملة وقعت عليه كصاعقه، التف على أثرها لصديقه بأعين متسعه .
أماء أحمد برأسه بتأكيد متابع: ارملة من خمس سنين.
أنس مبتلعا ريقه بصعوبه: خمس سنين؟
أحمد: ايوه.
_عرفت ازاى؟
_لما قدمت على المستشفى هنا بعد الكليه، أوراقها انها ارملة.
_والدبلة؟
_بتمنع بيها العرسان أصلها رافضة الجواز وال بيتقدموا كتير وبحرج تابع…انا نفسى اتقدمتلها..
وجه له نظرة نارية فبسرعه تابع…بس هى رفضت وانا اتجوزت علطول بعدها.
أنس مقتربا منه ببطء: عندها اولاد؟
أحمد: لا.
انس: للدرجه دى بتحبه؟ خمس سنين من غير اولاد ورافضه الجواز.
أحمد: ال فهمته برضه ان الموضوع ليه علاقة بعمتها..
أنس ممسكا له من تلابيب قميصه: ده انت مركز بقا.
أحمد بزهول من تصرف صديقه: يا عم صاحبة المدام اللاه.
نغض أنس يده وعيناه شارده للبعيد.
احمد: دى فرصة وجاتلك ويمكن القدر حب يجمعكم سوا او يريح قلبك وقلب والدتك ال نفسها تفرح بيك زى اخواتك يا تجمعوا يا تنساها وتعيش بقا.
نظر لصديقه يزن حديثه بعقله بينما الاخر تابع بتحذير: بس خلى بالك قدامك وقت قليل فرع المستشفي ال فى اسكندرية طلبها هناك وهى احتمال توافق يعنى الوقت قدامك قليل، ده غير عمتها، ده لو عرفت تقنعها هى شخصيا.
أنس بعصبية: عارف يا أحمد ال خلاك دكتور ظلمك.
أحمد بتفكير: بابا الله يرحمه كان دايما يقولى كده ومش عارف ليه؟
أنس : عشان بتدى المريض الأمل وبعدين تشرحه.
قالها صافعا الباب خلفه، وجميع حواس جسده متوجهه لوجهه معينه” هى” حيث بداية حربه ستكون معها لأجلها ولأجله.